تاريخ المجاعات في السودان: من الجفاف إلى حروب 2023

مقدمة
يُخشى من قبل المؤرخين والناشطين في المجالين الاجتماعي والإنساني أن تتكرر في السودان مآسي إنسانية سابقة، حيث ارتبطت المجاعات في الماضي إما بظروف مناخية قاسية أو بحروب، بينما تُعزى الأزمة الحالية إلى صراع مسلح مستمر.
المجاعات المبكرة
تُسجل أولى الإشارات إلى مجاعة في السودان القديم قبل نحو 342 عاماً، إلا أن السجلات التاريخية لا تتضمن سوى ملاحظات قليلة عن المجاعات التي حدثت قبل القرن العشرين. يظل التراث الشعبي هو المصدر الرئيسي لسرد آثار تلك المجاعات، التي شملت الموت جوعاً، انتشار الأوبئة، نزوح جماعي وتغيّر ديموغرافي.
مجاعة 1684
في عهد مملكة الفونج، استمرت مجاعة عام 1684 لمدة أربع سنوات، وشملت مساحات واسعة من وسط السودان. أدى نقص الحبوب إلى ارتفاع الأسعار، فلج بعض السكان إلى أكل لحوم الكلاب، بينما هاجر آخرون بأعداد كبيرة. تزامن ذلك مع انتشار جدري أودى بحياة عدد كبير من السكان.
مجاعة 1750
تجددت المجاعة في عام 1750 في وسط السودان، ارتبطت بانتشار واسع للجدري أعاق المزارعين عن العمل في حقولهم.
مجاعة 1835‑1838
خلال الحكم المصري العثماني، شهدت مناطق وسط البلاد مجاعة بين 1835 و1838 نتيجة جفاف شديد ناتج عن قلة الأمطار وانخفاض منسوب النيل وجفاف الوديان.
«مجاعة سنة ستة» (1888‑1889)
تُعرف في الذاكرة الشعبية السودانية بمجاعة سنة ستة، التي وقعت في عهد الخليفة عبد الله التعايشي. تداخلت فيها عوامل مناخية واقتصادية وسياسية واجتماعية، ما أدى إلى وفاة مئات الآلاف من البشر والماشية. ساهم نقص الأمطار والحرب في تراجع الزراعة، وانخفاض منسوب النيل، ثم هجوم الجراد على المحاصيل. هرب كثيرون إلى مناطق أكثر أماناً، وتُذكر روايات أن بعض الأسر أغلقت أبوابها وماتت جوعاً لتجنّب التسول. تُقدّر الدراسات التاريخية عدد الضحايا بأكثر من 1.5 مليون شخص.
مجاعات 1920‑1921
عانى السودان من مجاعات متتالية في عامي 1920 و1921 نتيجة شح الأمطار والجفاف وتدهور الغطاء النباتي على الساحل الأفريقي. ارتبطت تلك الفترات بانتقادات للسلطة الاستعمارية التي استخدمت السوط (الكرباج) في توزيع المساعدات.
مجاعات 1940‑1941 و1949‑1950
ضربت مجاعتان مناطق وسط السودان وشرقه وغربه في الفترتين المذكورتين، ما أسفر عن وفاة أعداد كبيرة من السكان والماشية. اضطرت الإدارة الاستعمارية إلى استيراد الذرة من الهند والفول من مصر لتلبية احتياجات المتضررين.
فترة 1970‑1974
شهدت مناطق غرب وشرق ووسط السودان انخفاضاً حاداً في هطول الأمطار بين 1970 و1974، ما قلل من إنتاج الحبوب ورفع أسعارها، ودفع السكان إلى الهجرة إلى المدن. قدمت وكالة المعونة الأمريكية مساعدات غذائية لتخفيف الأزمة.
مجاعة 1984
في عهد الرئيس جعفر نميري، تزامنت إحدى أسوأ موجات الجفاف في شرق أفريقيا مع أزمة اقتصادية وسوء توزيع الغذاء داخل السودان. انخفض إنتاج الذرة إلى أدنى مستوياته، وفقد الرعاة في الغرب والشرق 86 % من ثرواتهم الحيوانية. تأثر نحو 2.8 مليون شخص في دارفور و1.2 مليون في كردفان، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف إلى الخرطوم ومناطق أخرى.
مجاعة 1988
خلال حكومة الصادق المهدي، شهدت البلاد أزمة غذائية مصاحبة لفيضان واسع غمر مساحات زراعية كبيرة، ما عطّل الإنتاج في عدة مناطق.
الأزمة الحالية (من 2023‑2024)
مع اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تصاعدت مشكلة الأمن الغذائي بوضوح منذ عام 2024، لتدخل السودان في إحدى أسوأ مراحل الجوع في تاريخه الحديث. يوضح المرصد الإنساني في الخرطوم أن المجاعات السابقة كانت غالباً نتيجة عوامل مناخية أو بيئية، بينما تُعزى الأزمة الحالية إلى عوامل بشرية، أبرزها الصراع المسلح.
آراء الخبراء
يؤكد عبد الله التجاني، مؤرخ اجتماعي وناشط إنساني، أن معظم المجاعات التاريخية ارتبطت بظروف مناخية أو بيئية، وتفاقمت أحياناً بسبب سوء الإدارة أو النزاعات. في المقابل، يرى الباحث الاقتصادي محمد عبد الرحمن أن الفجوة التنموية هي السبب الجذري للأمن الغذائي الضعيف، رغم امتلاك السودان ما يقارب 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، ومصادر مائية من النيل والأمطار، وثروة حيوانية كبيرة. ويضيف أن الحروب والنزاعات المسلحة تُعدّ من أهم العوامل التي تُضعف الإنتاج الزراعي، إلى جانب نزوح المزارعين، غياب الاستقرار السياسي، ضعف السياسات الزراعية، نقص التمويل، والاعتماد على أساليب الزراعة التقليدية.
خاتمة
يمثل تاريخ المجاعات في السودان سلسلة من الأزمات المتعاقبة، تتراوح بين الجفاف والآفات إلى الحروب والنزاعات الداخلية. بينما ساهمت العوامل البيئية في معظم الحالات السابقة، فإن الأزمة الغذائية الحالية تنبع بصورة أساسية من الصراع المسلح المستمر، ما يستدعي استجابة إنسانية دولية متكاملة وإجراءات تنموية طويلة الأمد لتأمين الأمن الغذائي للبلاد.





