تأثير مباريات كأس العالم على صحة القلب والضغط

المشهد العام: ما يحدث عندما يشتعل الحماس في قلوب المشجعين
مع بدءمباريات كأس العالم 2026 وتجمع أكثر من ثمان منتخبات عربية على الساحة، يعيش ملايين المتابعين في دول الوطن العربي لحظات من الترقب والاندماج العاطفي قبل كل صافرة إنطلاق. لا يقتصر الحماس على دقائق المباراة فحسب؛ بل يبدأ قبل ذلك بساعات من الانتظار والقلق، ثم يتحول مع كل هجمة وفرصة إلى نبضات قلب سريعة وصوت مرتفع. هذه الظاهرة، رغم ما تحمله من حب وانتماء واعتزاز وطني، تحمل في طياتها مخاطر صحية قد لا يدركها كثير من المشجعين.
استجابة الجسم الفيزيولوجية للضغط النفسي
عند مشاهدة مباراة حاسمة، يفعَّل الجهاز العصبي الودي سلسلة من الاستجابات تهدف إلى إعداد الجسم لمواجهة “الخطر”. ينتج عن ذلك إفرازالأدرينالين والنورأدرينالين، ما يؤدي إلى زيادة معدل ضربات القلب، ارتفاع ضغط الدم، وتزايد طلب عضلة القلب على الأكسجين. بالنسبة للأشخاص الذين يعانون مسبقًا من أمراض الشرايين أو الذبحة الصدرية، قد يتحول هذا الارتفاع المؤقت إلى ألم صدري أو اضطراب نظم قلبي، بل وقد يتفاقم إلى نوبة قلبية أو سكتة دماغية.
دراسات علمية تربط المشاهدة بارتفاع هرمون الكورتيزول
أجرى فريق بحثي منجامعة ستراثكلايد في إسكتلندا دراسة شاملة خلالكأس العالم 2014، ونُشرت نتائجها عام 2020، لتكشف عن تغير ملحوظ في مستوياتهرمون الكورتيزول لدى المشاهدين أثناء المباريات الحية. وأظهر البحث أن تركيز الكورتيزول يرتفع بصورة أكبر لدى المشجعين الذين يشعرون بارتباط عاطفي قوي مع فريقهم، وأن الخسارة تفضي إلى أعلى مستويات لهذا الهرمون.
في سياق مماثل، أظهرت أبحاثجامعة أكسفورد في يناير 2020 أن مستوى الكورتيزول لا يختلف بين الجنسين، لكنه يتقارب مع درجة الانتماء الجماعي للمشجعين. وتؤكد هذه النتائج أنالتوتر الهرموني المستمر قد يضعف جهاز المناعة، يزيد من احتمالات الإصابة بنزلات البرد والحساسية، ويساهم في ارتفاع الوزن وضغط الدم، ما يرفع من خطر الإصابة بأمراض القلب.
انعكاسات المشاهدات على أقسام الطوارئ
دراسة نشرت فيالمجلة الكرواتية للطب الرياضي ركزت على علاقة مشاهدة مبارياتكأس العالم 2018 بحدوث طوارئ قلبية في مستشفيات كرواتيا. استند الباحثون إلى قاعدة بيانات تشمل اليومين قبل وبعد كل مباراة للمنتخب الكرواتي، ومقارنتهما بالفترات نفسها في عامي 2017 و2019. شملت العينة1093 حالة، وتبيّن أن النساء ارتفن خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة1.30 خلال فترات المشاهدة مقارنةً بالأوقات الهادئة. وكانت اضطرابات نظم القلب والذبحة الصدرية أكثر الأمراض شيوعًا في تلك الفترات.
تحذيرات من قطاع الرعاية الصحية
صرّحالدكتور محمود عبد القادر، أخصائي أمراض القلب والأوعية الدموية، أن قياس ضغط الدم لدى المشجعين المتحمسين قد يظهر أعلى المستويات، خاصةً لدى المرضى المزمنين. وأوضح أن الانفعالات الحادة تُفضي إلى إفراز كميات هائلة منهرمونات التوتر، ما يرفع من معدل ضربات القلب ويزيد من حاجة عضلة القلب إلى الأكسجين.
بالإضافة إلى ذلك، حذر الدكتور عبد القادر من أن التوتر النفسي قد يرفع مستويات سكر الدم لدى مرضىالسكري نتيجة لتأثير هرمونات التوتر على استقلاب الجلوكوز، ما قد يؤدي إلى اضطراب مواعيد تناول الأدوية أو الوجبات، وبالتالي زيادة خطر حدوث مضاعفات حادة أثناء المشاهدة.
العادات المرافقة للمشاهدة وتأثيرها المتراكم
لا يقتصر الخطر على التوتر النفسي فحسب، بل يتفاقم مع سلوكيات شائعة بين المشجعين:
- السهر الطويل دون فترات راحة.
- التدخين المكثف أثناء المشاهدة.
- تناولالوجبات الدسمة والمالحة التي تزيد من مستويات الكوليسترول.
- الإفراط فيالمنبهات مثل الشاي والقهوة، التي تعزز من نشاط الجهاز العصبي الودي.
تُظهر دراسة نشرت فيمجلة ساينس دايركت عام 2021 أن تزامن هذه العادات مع التوتر الرياضي قد يزيد من احتمالية حدوثاحتشاء عضلة القلب، اضطرابات نظم القلب، وحتىالموت القلبي المفاجئ لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ مرضي مسبق.
نصائح عملية للمتابعين لتقليل المخاطر
- التحكم في استهلاك المنبهات: يُنصح بتقليل أو إلغاء شرب القهوة والشاي القوي خلال فترات المباراة.
- الابتعاد عن التدخين: محاولة الإقلاع أو تقليل عدد السجائر خلال المشاهدة.
- اختيار وجبات صحية: استبدال الوجبات السريعة بالفواكه والمكسرات غير المملحة.
- مراقبة الضغط: قياس ضغط الدم قبل وبعد المباراة للأشخاص الذين يعانون من ارتفاع الضغط.
- الالتزام بالمواعيد الدوائية: عدم نسيان جرعات الأدوية أو تأخيرها بسبب الانشغال بالمباراة.
- فترات استراحة: أخذ فترات قصيرة من الهدوء والتنفس العميق لتقليل مستويات الكورتيزول.
- الاستجابة السريعة للأعراض: طلب مساعدة طبية فور ظهور ألم صدري، ضيق تنفس، دوخة شديدة أو خفقان غير طبيعي.
آفاق البحث المستقبلي وتوجيهات الصحة العامة
تشير التراكمات العلمية إلى ضرورة إجراء بحوث إضافية تستهدف فئات معينة مثل كبار السن ومرضى القلب المزمن، لتحديد حدود التحمل الفردي للضغط النفسي الرياضي. كما يدعو خبراء الصحة العامة إلى دمج إرشادات صحية في حملات الترويج للبطولات الرياضية، بحيث تُرفق نصائح الوقاية مع بث المباريات على القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي.
إن إدراك أنمباريات كأس العالم ليست مجرد ترفيه، بل قد تكون محفزًا لحالات صحية طارئة، يستدعي تعاونًا بين الجهات الرياضية، المؤسسات الطبية، والجمهور لضمان تجربة رياضية ممتعة وآمنة في آنٍ واحد.





