برنامج الأغذية العالمي يحذر من تدهور الأزمة الإنسانية في السودان وسط نقص التمويل

أعلن كارل سكاو، المتولى مؤقتاً منصب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، أن الوضع الإنساني في السودان يتفاقم بسرعة، مشيراً إلى أن البلاد تشهد واحدة من أكبر أزمات الجوع والنزوح على مستوى العالم. وفقاً لتقديرات البرنامج، يعاني حوالي عشرين مليون شخص من نقص غذائي شديد، بينما وصل عدد النازحين إلى أربعة عشر مليون نتيجة الصراع المستمر.
سكاو أوضح أن البرنامج يقدِّم المساعدة الغذائية شهرياً لما بين أربعة إلى خمسة ملايين مستفيد، لكنه يواجه نقصاً حاداً في الموارد المالية. وأشار إلى أن التمويل المتاح الآن لا يتجاوز ثلث ما كان مطلوباً في العام السابق، مما قد يجبر المنظمة على تقليص حجم المساعدات خلال الأسابيع القليلة المقبلة إذا لم تتضاعف التبرعات.
من بين العقبات التي تعرقل وصول المساعدات، ذكر سكاو هجومًا تعرضت له إحدى قوافل البرنامج قبل أسبوعين أثناء توجهها إلى منطقة الدلنج في ولاية كردفان الوسطى. كما أشار إلى أن الطرق المتضررة وخطوط التماس المتشابكة تعرقل النقل إلى مناطق واسعة، ما يجعل الوصول إلى المتضررين أمراً صعباً ومكلفاً.
في سياق ذلك، وصف سكاو الرحلة التي كانت تستغرق ست ساعات بالسيارة بين الأُبيّض في شمال كردفان والفاشر في شمال دارفور قبل اندلاع القتال، بأنها الآن تستغرق ثلاثة أيام. وأوضح أن البعثات الإنسانية مضطرة للمرور عبر تشاد، عبر إنجامينا وأدري، ثم عبور جبل مرة للوصول إلى الفاشر، نتيجة للمعارك المستمرة وإغلاق معظم المنافذ الحدودية.
زيارة سكاو إلى الفاشر كشفت عن أضرار جسيمة؛ فالمدينة ما زالت تحت حصار دام ثمانية عشر شهراً، وسكانها يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والمياه إلى جانب تعرضهم لهجمات متكررة. وأوضح أن آثار القذائف والرصاص لا تزال واضحة في شوارع المدينة، وأن النشاط التجاري توقف تقريباً، ما دفع السكان إلى البحث عن سبل البقاء في ظل ظروف قاسية.
كما انتقل المسؤول إلى مخيم زمزم، حيث أبلغ عن تدهور أوضاعه مقارنة بالفاشر. وأوضح أن المخيم تعرض لسلسلة من الاعتداءات، وأن معظم المساكن دُمرت بشكل كبير. من هناك، سافر إلى طويلة في دارفور، موضحاً أن نحو سبعمائة ألف شخص غادروا المنطقة بحثاً عن الأمان، وأن عدد النازحين داخل طويلة ارتفع إلى ما يقرب من مليون شخص، مقارنة بخمسمائة ألف في الزيارة السابقة في أبريل.
فيما يتعلق بالاحتياجات العاجلة، أشار سكاو إلى طلب النازحين لأغطية بلاستيكية لحماية خيامهم من الأمطار، وأن البرنامج يسعى لتوفير وجبات غذائية لحوالي تسعمائة وثلاثين ألفاً من المستفيدين، لكنه أقر بأن هذه الكميات لا تكفي لتغطية جميع المتضررين، خاصةً مع فقدان الكثيرين لمنازلهم وأسرهم.
أوضح المسؤول أن أكثر من مليون طفل وشاب يفتقرون إلى بيئات تعليمية مناسبة، في ظل تدهور الأوضاع الزراعية نتيجة لتقلبات المناخ. وأشار إلى أن بعض مناطق دارفور شهدت جفافاً قبل أن تتحول الأمطار إلى فيضانات أضرت بالمزارع، ما زاد من اعتماد السكان على المساعدات الغذائية والمواد الزراعية التي يقدمها البرنامج.
في ولايتي كردفان والنيل الأزرق، أشار سكاو إلى تصاعد وتيرة القتال، مشيراً إلى أن مدينة الأُبيّض التي كانت تُعتبر آمنة أصبحت الآن معرضة لتمدد النزاع إلى ضواحيها، وأن مخيماتها الثمانية تشهد اكتظاظاً كبيراً. كما انتقد عدم كفاية الحماية التي يحصل عليها المدنيون من قبل المجتمع الدولي، مؤكدًا أن الفظائع التي شهدتها الفاشر العام الماضي لم تُمنع بسبب نقص الدعم الدولي.
سكاو دعا المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود وتوفير الموارد الأساسية للمتضررين، مؤكدًا أن البرنامج لا يستطيع الاستمرار في إهمال احتياجاتهم. كما حث المانحين على رفع مستويات التمويل، مشيراً إلى أن البرنامج يخطط لإعادة الأطفال إلى الفصول الدراسية حتى وإن كانت داخل الخيام، بالإضافة إلى دعم الفلاحين من خلال إصلاح قنوات الري وتوفير أدوات الزراعة لرفع الإنتاج وخفض أسعار السلع.
من بين الخطط المستقبلية للبرنامج توسيع خدمات النقل الجوي الإنساني لتشمل مناطق دارفور والأُبيّض، إلا أن عمليات الإقلاع الجوي للمواد الغذائية لا تزال مكلفة وغير متاحة في الوقت الحالي. وأوضح أن بعض الرحلات البرية إلى المناطق النائية قد تستغرق ما يصل إلى ثمانٍ وخمسين ساعة بسبب إغلاق الطرق وتعرضها للقصف.
في ختام كلمته، حذر سكاو من تداعيات اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب على وصول المساعدات إلى السودان، موضحًا أن معظم الإمدادات الغذائية والزراعية والطاقة تأتي من دول الخليج، وأن أي تأخير قد يطيل زمن وصول الأرز المستورد من الهند. كما أشار إلى أن التوترات في البحر الأسود، الذي يُعد مصدرًا رئيسيًا للقمح، قد تؤثر سلبًا على الأمن الغذائي في السودان. وأخيرًا، لفت الانتباه إلى أن تصاعد العنف في اليمن يزيد من معاناة السكان هناك ويؤثر على سلاسل الإمداد الغذائي، حيث يعتمد اليمن على استيراد 90٪ من غذائه.





