الاتهامات المتكررة للجيش في دول الساحل ضد فرنسا بشأن تدبير الانقلابات

خلفية الاتهامات
في النيجر، صرح المجلس العسكري أن فرنسا ساهمت في محاولة تمرد فاشلة استهدفت قاعدة جوية والقصر الرئاسي في نيامي في 29 أغسطس/آب 2026. الحكومة النيجرية أفادت بأنها جمعت "مجموعة من الأدلة" وتحتفظ بحق اللجوء إلى المحاكم الدولية، دون الكشف عن تفاصيل هذه الأدلة. وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو نفى الاتهام ووصفه بأنه "خيال محض".
اتهامات سابقة
في يناير/كانون الثاني 2026، بعد هجوم على مطار نيامي، اتهم الرئيس الجنرال عبد الرحمن تياني فرنسا وبنين وكوت ديفوار برعاية العملية، دون تقديم دليل ملموس. وفي يوليو/تموز 2024، صرح رئيس المجلس العسكري في بوركينا فاسو، النقيب إبراهيم تراوري، أن أبيدجان تشكل "مركز عمليات" لزعزعة استقرار بلاده، مدعياً وجود قواعد فرنسية في بنين موجهة ضد بوركينا فاسو؛ وقد نفى الجيش الفرنسي وجود قواعد دائمة في بنين. في يونيو/حزيران 2024، قطعت واغادوغو علاقاتها الدبلوماسية مع باريس متهمةً إياها بدعم "شبكات تخريبية".
قضية مالي
في أغسطس/آب 2025، اعتُقل عشرات عسكريين في مالي بتهمة محاولة انقلاب وزعزعة الاستقرار، إلى جانب مواطن فرنسي قدمته باماكو كعميل لجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي. حُكم على هذا الفرنسي بالسجن 20 عاماً في يونيو/حزيران 2026، ثم أصدر الجنرال آسيمي غويتا عفواً رئاسياً عنه في أغسطس/آب 2026 وأُعيد إلى فرنسا.
تدهور العلاقات مع باريس
تأتي الاتهامات الأخيرة في ظل قطيعة متصاعدة مع فرنسا؛ فقد طردت نيامي السفير الفرنسي وأمرت بسحب نحو 1500 جندي فرنسي، كما أوقفت بث وسائل الإعلام الفرنسية بعد انقلاب 2023. يظل الإرث الاستعماري عاملاً مشحوناً، إذ تُستذكر الحملة العسكرية الفرنسية عام 1899 في النيجر وما صاحبها من عنف وإعدامات جماعية، إلى جانب استمرار النفوذ الفرنسي في السياسة الداخلية والاقتصاد منذ الاستقلال عام 1960.
الدور الفرنسي في المنطقة
منذ تدخلها العسكري في مالي عام 2013، قادت فرنسا جهوداً دولية لمواجهة الجماعات المسلحة في الساحل. أشار تقرير مجموعة الأزمات الدولية إلى توسع التهديد الجهادي من شمال مالي إلى جنوب غرب النيجر وشمال وشرق بوركينا فاسو. ومع ذلك، أدى استمرار العنف رغم الوجود العسكري الفرنسي إلى تراجع صورة باريس لدى قطاعات من السكان والعسكريين.
تحولات التحالفات
وفقاً لوكالة أسوشيتد برس، تصاعدت المشاعر المناهضة لفرنسا بعد سنوات من العمليات المشتركة مع القوات المحلية، ما دفع المجالس العسكرية التي طردت القوات الفرنسية إلى تعزيز علاقاتها مع روسيا، في وقت يظل فيه الوضع الأمني متدهوراً ويتفاقم عدد الضحايا المدنيين.
تحليل الاتهامات
رأت مجموعة الأزمات الدولية أن اتهامات النيجر لفرنسا تؤدي وظيفة سياسية لتعزيز شرعية المجلس العسكري عبر تحميل خصم خارجي مسؤولية الإخفاقات الأمنية، بدلاً من الاعتراف بالقصور الداخلي. ومع ذلك، تشير معطيات محاولة التمرد الأخيرة في نيامي إلى احتمال وجود عوامل داخلية؛ فقد ذكر تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية أن ضباطاً شباباً من القوات الخاصة قادوا الهجمات، وأن بعض القادة العسكريين لم يحددوا موقفهم في البداية. كما أشار محللون للجزيرة الإنجليزية إلى أن الخسائر التي تكبدتها القوات في مواجهة الجماعات المسلحة قد غذت التوتر داخل الجيش.
خلاصة
الاتهامات المتكررة للجيش في دول الساحل ضد فرنسا تعكس توتراً سياسياً وعسكرياً معقداً، يجمع بين إرث استعماري، وتحديات أمنية داخلية، وتغيرات في التحالفات الإقليمية. لا تزال الأدلة المقدمة غير معلنة، وتبقى العلاقة بين باريس ودول الساحل موضوعاً متقلباً يتأثر بالظروف الداخلية والخارجية على حد سواء.





