المؤرخ الغزي مجدي العايدي يوثق **النكبة الفلسطينية** عبر 5 آلاف صورة

في غزة، حيث المدن والقبائل تختزن أسراراً عن ماضٍ مُحْرَق، اختار المؤرخ الفلسطينيمجدي العايدي (58 عاماً) أن يُرسِّخ ذاكرة أمة من خلال جيبه. بمنتهى الحذر، كشف عنمحفظة بنية تحتوي علىذاكرة إلكترونية عمرها 12 عاماً، تضمأكثر من 5 آلاف صورة تُوثِّق فلسطين قبل النكبة، خلالها، وبعدها. هذه الصور ليست مجرد ألبومات، بل هيأرشيف حي يحمل اسم "الصورة المختزلة في ذاكرة النكبة"، أصدره عام 2021 لاستعادة فلسطين كما كانت: ببيوتها وأسواقها وطرقاتها.
من مكتبة محترقة إلى أرشيف رقمي
في حديث خاص معالجزيرة نت، كشف العايدي عن رحلته المثيرة: "هذا الأرشيف رافقني طوال عامين ونصف من حرب الإبادة. بينما احترقت مكتبتُ التي ضمت6 آلاف كتاب، قررت أن أحمي ما تبقى. هذه الذاكرة مثل واحد من أبنائي".
الحرب التي بدأت عام٢٠٢٣ واستمرت عامين، دمرت مكتبه، لكنها لم تُطفِئ شغفه. قال: "العلم هو الابن الرابع، وسأستمر في توثيق تفاصيل حياة الفلسطينيين حتى لو طال بي العمر".
مسيرة البحث: من الشفاه إلى الصور
العايدي، اللاجئ في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، قضى سنوات يُلتقِط ذكريات كبار السن. سأله: "من أين خرجتم؟ إلى أين سارتم؟ أي بيت تركتم خلفكم؟" كانت هذه الأسئلة تُفتح أبواباً لقصص مُتعبة، حملها المُسنين في ذاكرة شاخت.
ثم امتدت رحلته إلىفلسطينيي الداخل، حيث طلب من صور قديمة أو تعليقات على لقطات: "من هذا الوجه المجهول؟ ما الذي يحدث في هذه القرية؟". كانت كل صورة قطعة من بُنية أرشيفه، تُربط الأسماء بالبيوت، والبيوت بالقرى، والقرى بالتاريخ الفلسطيني المُحصور.
جذور العزة: سلالة من المعرفة
كتب العايدي كتابه الثاني "جذور العزة في بلاد غزة" بعدما ارتبطت رحلته بسيرة عمٍ لهولد عام ١٨٩٥ وعايش 115 عاماً. ذاكرته الطويلة ساعدت في ربط العائلة بالقرية، ثم بالقضية الأوسع.
دعمه والده بكل ما استطاع، وسانده عمه في الأردن بمعارفه الواسعة عن القبائل. حتى تخلَّى عن التجارة ليهتم بالأرشيف، قائلاً: "هذا أمانة، وسأحميها كما يحمي الأب ابنه".
الصورة: سند للذاكرة
لكل صورة في أرشيفه، رحلة. يشرح العايدي: "أبدأ بفحص مصدرها، ثم سياقها، ثم تفاصيلها البصرية. أقارنها بروايات شفوية ومواد موثقة، وتأكد من احتمال تعديلها".
من بين الصور التي يعتز بها:صورتان نادرتان من عائلة غزية لقريةالجورة، تُظهران شبكة صيد جدتهم. "هذه الصور تُكشف حياة الناس، مهناً، وعلاقتهم بالبحر"، يقول.
أخرى أكثر صدمة: صورةطه بيك، الضابط المصري الذي ارتبطت قريةعِراق المنشية به. في 24 فبراير/شباط 1949، غادر آخر المدافعين عن القرية، لتُكتمل صورة الاقتلاع العسكري والمدني. "هذا التاريخ هوالنكبة الحقيقية"، يؤكد العايدي.





