السبت، ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦
أخبار على مدار الساعة
Hatrek logoHatrekصحيفة هاتريك
أخبار عامة

تحول العلاقات الإسبانية الإسرائيلية خلال حرب غزة

·4 دقيقة قراءة
تحول العلاقات الإسبانية الإسرائيلية خلال حرب غزة

خلفية تاريخية

لم تكن علاقة إسبانيا بإسرائيل ثابتة على مر العقود. في فترة حكم الجنرال فرانسيسكو فرانكو (1939‑1975) سعت مدريد إلى تعزيز الروابط مع الدول العربية، مستندة إلى التراث الأندلسي لتبرير نفسها كجسر بين الشرق والغرب. خلال تلك الفترة، امتنعت إسبانيا عن الاعتراف بإسرائيل عند إعلانها عام 1948، ورفضت في خمسينيات القرن الماضي أي محاولات إسرائيلية لتأسيس علاقات دبلوماسية معها. هذا الموقف استمر بعد وفاة فرانكو عام 1975.

في عام 1979، استقبل رئيس الوزراء الإسباني أدولفو سواريز الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في زيارة رسمية إلى مدريد، وهو ما عكس استمرار الانحياز السياسي لإسبانيا لحقوق الفلسطينيين. لم يتغير هذا المسار إلا في عام 1986، عندما وافقت حكومة الزعيم الاشتراكي فيليبي غونزاليس، تحت ضغط أوروبية، على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكنها حافظت في الوقت نفسه على دعمها لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة. هذا الموقف وضع مدريد في موقع وسيط فريد، وشهد استضافة مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الذي جمع ممثلين عن الطرفين.

خلال فترة حكم خوسيه ماريا أثنار، التي اتخذت سياسة أقرب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ودعمت غزو العراق، استمر التوازن بين العلاقات مع إسرائيل والدفاع عن الحقوق الفلسطينية. عندما تولى بيدرو سانشيز رئاسة الحكومة في 2018، استمر التعاون في مجالات البحث العلمي والطاقة، بل وشمل صفقات تسليح مع شركات إسرائيلية كبرى مثل "إلبيت سيستمز" و"رافائيل". ومع ذلك، بدأ هذا التوازن يتصدع مع اندلاع الحرب على غزة.

تصاعد الضغط الشعبي

أظهرت استطلاعات الرأي أن الدعم الشعبي للفلسطينيين ارتفع إلى مستويات غير مسبوقة. وفقًا لاستطلاع لمعهد إلكانو الملكي عام 2024، أيد 78 % من الإسبان الاعتراف بدولة فلسطين، بينما اعتبر 82 % من المشاركين في استطلاع لاحق ما يحدث في غزة "إبادة جماعية". هذه الأرقام تصاحبها موجة احتجاجات واسعة انتشرت من مدريد إلى برشلونة، شاركت فيها نقابات عمالية، جمعيات أهلية، ومنظمات المجتمع المدني، مطالبة بوقف القصف وإجراءات أقوى ضد إسرائيل.

خطوات إسبانيا العملية

في مايو/أيار 2024، أعلنت إسبانيا، بالتنسيق مع أيرلندا والنرويج، عن اعترافها الرسمي بدولة فلسطين. بعد شهر واحد فقط، أصبحت أول دولة أوروبية تنضم إلى الدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية التي تتهم إسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية. في سبتمبر/أيلول 2025، صادرت مدريد حزمة من تسع إجراءات شملت وقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، ومنع استخدام الموانئ الإسبانية لنقل الوقود أو المعدات العسكرية إلى الجيش الإسرائيلي، وحظر مرور الطائرات الحاملة للعتاد العسكري إلى إسرائيل، بالإضافة إلى مقاطعة منتجات المستوطنات وتقييد الخدمات القنصلية.

كما خصصت الحكومة إسبانية 10 ملايين يورو إضافية لوكالة الأونروا، و150 مليون يورو كمساعدات إضافية لقطاع غزة. هذه الإجراءات أدت إلى تبادل استدعاءات السفراء بين مدريد وتل أبيب، وتصاعدت الانتقادات المتبادلة، ما أدى إلى انخفاض العلاقات الثنائية إلى أدنى مستوياتها منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية قبل أربعين عامًا.

ردود الفعل داخل الاتحاد الأوروبي

على الصعيد الأوروبي، لم يحظَ المقترح الإسباني بتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، حيث رفض أغلبية الدول الأعضاء ذلك. وبالتالي، وضعت إسبانيا نفسها في موقف مختلف عن معظم شركائها الأوروبيين الذين انتقدوا سياسات إسرائيل، لكنهم لم يتخذوا إجراءات عقابية مماثلة.

المشهد السياسي الداخلي

تحولت مسألة إسرائيل إلى ساحة جدال داخل إسبانيا. اتهم الحزب الشعبي المعارض حكومة سانشيز بأن قراراتها تضر بالمصالح الإستراتيجية للبلاد، بينما انتقدت رئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو أن رئيس الوزراء يستخدم الحرب في غزة لتشتيت الانتباه عن أزماته الداخلية وتعزيز شعبيته. رغم هذه الانتقادات، يبدو أن الحكومة مستعدة لتحمل الكلفة السياسية والدبلوماسية، استنادًا إلى قناعة راسخة بأن الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين جزء من هويتها السياسية.

تصريحات مسؤولين إسبانيين

في أحدث حلقات التصعيد، وصفت وزيرة العمل ونائبة رئيس الوزراء يولاندا دياز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه "مجرم حرب" و"مرتكب إبادة جماعية". كما تعهدت وزيرة الشباب والطفولة سيرا ريغو بأن تظل إسبانيا ملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية. هذه العبارات تعكس حجم التحول الذي طرأ على الموقف الإسباني، وتظهر أن الخلاف مع إسرائيل لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل أصبح جزءًا من رؤية سياسية شاملة تجاه الحرب على غزة والقضية الفلسطينية.

الخلاصة

من خلال سلسلة من الخطوات الدبلوماسية والاقتصادية، انتقلت إسبانيا من دور الوسيط الذي جمع الفلسطينيين والإسرائيليين في مؤتمر السلام إلى موقع يواجه سياسات إسرائيل بشكل مباشر. يعكس هذا التحول ليس فقط تغير أولويات الحكومة الإسبانية، بل أيضًا تحولًا عميقًا في المزاج الشعبي والسياسي داخل البلاد، ما أدى إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر بين مدريد وتل أبيب.

المصدر الأصلي:الجزيرة نت

مشاركة:

مقالات ذات صلة

بولندا وأستراليا تستدعيان سفيري إسرائيل احتجاجاً على إغلاق التحقيق في مقتل عمال إغاثة بغزة
أخبار عامة

بولندا وأستراليا تستدعيان سفيري إسرائيل احتجاجاً على إغلاق التحقيق في مقتل عمال إغاثة بغزة

٢١ أغسطس ٢٠٢٦

استدعت كل من بولندا وأستراليا سفيري إسرائيل بعد قرار تل أبيب إغلاق التحقيق في الغارة التي استهدفت قافلة إغاثية في قطاع غزة عام 2024 وأسفرت عن مقتل سبعة عمال، من بينهم متطوع بولندي وعاملة أسترالية.