الغبار النووي: ما هو؟ ولماذا يستحيل استخراجه من تحت الأنقاض؟

في خضم الحرب الدائرة والمفاوضات المعقدة، يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مصطلحا تحدث عنه أكثر من مرة ضمن شروطه لإنهاء الحرب على إيران، إنه "الغبار النووي"، الذي قال مرارا انه سينقل إلى أمريكا.
يُروج الخطاب السياسي لفكرة أن القنابل الأمريكية دمرت البرنامج النووي الإيراني العام الماضي لدرجة أنه لم يتبق منها سوى مادة مسحوقة. لكن، وبعيدا عن هذا التبسيط، تجمع تقارير عدة على أن هذا المصطلح غير دقيق علميا، وأن عملية استخراج هذا المخزون "تحت النار" تعد مهمة شديدة التعقيد وتكاد تكون مستحيلة.
بحسب صحيفة نيويورك تايمز وشبكة سي إن إن، فإن مصطلح "الغبار النووي" لا يستخدم بتاتا في الصناعة النووية، وإن عددا من الخبراء أكدوا أنهم لم يسمعوا به من قبل. يُعد هذا المصطلح مجرد "أسلوب ترمب الاستعراضي في التعبير" كما يقول المدير الأول في مركز سكوكروفت للإستراتيجية والأمن، ماثيو كرونيغ.
المادة المقصودة، بحسب نيويورك تايمز، "ليست غبارا على الإطلاق"، بل هي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة من الـ90% المطلوبة لصنع قنبلة نووية. تكون هذه المادة في أسطوانات بحجم خزانات الغوص، وتكون غالبا على شكل "غاز"، رغم أنها تتحول إلى الحالة الصلبة في درجة حرارة الغرفة، وهي مادة متطايرة وشديدة السمية إذا لامست الرطوبة.
بتحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بلغ مخزون إيران نحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب حتى 60% بحلول منتصف عام 2025. وتعد هذه النسبة قفزة هائلة مقارنة بسقف 3.67% الذي كان مسموحا به للأغراض المدنية بموجب الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) الذي انسحبت منه الولايات المتحدة.
الغبار النووي: بين التبسيط والتعقيد
يعتبر الوصول إلى نسبة 60% يعني أن الجزء الأكبر من العمل التقني اللازم لبلوغ درجة 90% (المستوى العسكري) قد أُنجز بالفعل، كما يقول فرانسوا دياز-مورين، محرر الشؤون النووية في نشرة علماء الذرة. بينما يشرح مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو، جاستن لوغان، أن ما يسميه ترمب اليوم "الغبار النووي" لم يكن موجودا عندما كان الاتفاق النووي ساريا في بدايته، لأن إيران كانت ملتزمة بتخصيب منخفض.
الأساس العلمي
يتحدث تقرير لشبكة سي إن إن عن وجود ثغرات كبيرة في فهم فريق التفاوض الأمريكي للجوانب التقنية. ويُظهر المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أظهر خلطا بين المفاعلات النووية ومنشآت التخصيب، وأبدى قلقا من وجود 45 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% في مفاعل أبحاث، رغم أن هذه الكمية "لا تكفي لصنع قنبلة واحدة"، وتحتاج لعمليات تحويل وتخصيب معقدة.
التعقيدات العملية
تبرز مشكلة كبرى تجعل المهمة شبه مستحيلة، فقد أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو/حزيران 2025 على 3 مواقع نووية (أصفهان، وفوردو، ونطنز) إلى دفن الجزء الأكبر من هذا المخزون تحت ركام مجمع أصفهان. ويصف لوغان فكرة إرسال فريق لاستخراج المادة أثناء الحرب بأنها "مجنونة"، مضيفا أن المهمة تتطلب "العديد من المهووسين بالعلوم،غير البارعين في قتل الناس".
الحدود العسكرية
يؤكد لوغان أن الاستخراج سيكون بالصعوبة ذاتها على الإيرانيين أيضا، فالولايات المتحدة تضع الموقع تحت المراقبة المستمرة، والمادة شديدة التقلب، وحالة حاوياتها تحت الأرض مجهولة، مما يمنع طهران من نقلها سرا تحت جنح الظلام. وتفصل مجلة نيوزويك حجم هذه التعقيدات على لسان فرانك روز، النائب السابق لمدير الإدارة الوطنية للأمن النووي الأمريكية، الذي يؤكد أن العملية "ليست مهمة تستغرق أسبوعا".
التعقيدات السياسية
وتنفيذها، تحتاج واشنطن إلى السيطرة العسكرية الكاملة على الموقع، ونشر نحو 15 ألف جندي، وإحضار جرافات وطائرات شحن من طراز سي-130، في عملية قد تستغرق أشهرا. ويشرح المدير السابق لمركز الحد من التسلح في حلف الناتو، ويليام ألبيرك، تفاصيل هذا السيناريو المعقد: يجب على الحفارات أولا فتح أنفاق سدتها الضربات، ثم يقوم علماء الجيولوجيا بتقييم سلامتها من الانهيار.
الغبار النووي: ماذا بعد؟
بينما يطالب ترمب بتسليم "الغبار النووي"، تؤكد المعطيات الفنية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي للتعامل مع هذا الملف، حيث تشير تقارير نيوزويك وسي إن إن إلى أن تدمير المنشآت لا يلغي المعرفة أو القدرة النظرية لإيران على إعادة بناء برنامج التخصيب متى ما أرادت. ويختتم فرانسوا دياز-مورين، بحقيقة إستراتيجية ملخصها أنه: "لا يمكنك تدمير فكرة أو برنامج أو معرفة بالقنابل… قد يكون لدى الإيرانيين الآن، أكثر من أي وقت مضى، حافز لتسريع أي برنامج يمتلكونه".











