كتاب «الإخفاق العربي» يكشف أزمات الدولة القطرية وإوهام الإصلاح الديني الغربي

إطلاق الكتاب ومحتواه الأساسي
أصدر دارالأصالة العلمية في إسطنبول في يونيو ٢٠٢٦ مؤلفه الجديد تحت عنوان«الإخفاق العربي: في الثورة والدين والدولة». يقدّم الدكتوررفيق عبد السلام في هذا العمل موسوعة تحليلية تشمل خمس محاور رئيسية: مسار الثورات العربية، دور الدين في المجتمع، مسألة التحول الديمقراطي، تكوين الدولة العربية وأزماتها، ورؤية الحداثة والتحديث. يربط المؤلف بين هذه المحاور عبر وحدة فكرية تتناولالاجتماع السياسي الراهن في العالم العربي مع تركيز خاص على الحالة التونسية، لكنه لا يغفل عنالدولة القطرية كنموذج للانقسام والتحديات الداخلية.
الثورات العربية: دروس من فشل القادة
في الباب الأول، يسلّطرفيق عبد السلام الضوء على ما وصفه وزير الخارجية التونسي الأسبق بـ«الثورات المغدورة». يوضح المؤلف أن القادة الذين تولوا المسؤولية بعد انتفاضات الربيع العربي ارتكبوا أخطاءً في التقدير، أبرزهاالتردد في اتخاذ قرارات حاسمة، وعدم القدرة على بناءتحالفات إقليمية قوية. يذكر أن التجارب في مصر، تونس، ليبيا واليمن أظهرت أن الفشل ليس نتيجة للثورات نفسها، بل نتيجة لغياب الدعم المشترك من القوى الإقليمية والعالمية.
يستشهد المؤلف بأقوال سابقة للزعيم الجنوب أفريقينيلسون مانديلا حول ضرورة التنازلات الجذرية لتجنب صراعات دموية، ويقارن ذلك بالمسار الذي سلكته بعض الثورات العربية التي استمرت في النزاع حتى استنزفت مواردها.
الدولة والدين: سيطرة الدولة على الحقل الديني
يتناول الفصل الثاني فكرة أنالمشكلة ليست في سيطرة الدين على الدولة، بل فياستحواذ الدولة على مؤسسات الدين واستخدامها كأداة للهيمنة. يوضح الدكتور عبد السلام أن أغلب الدول العربية، بما فيها الأنظمة التي تُصنّف نفسها «حديثة»، تميل إلى توظيف المقدسات لتبرير سياساتها، مما يخلق تناقضاً مع مفهومالعلمانية السياسية التي تستوجب استقلال الحقل الديني عن البيروقراطية.
يُشير إلى أن حتى الدول التي تُعْتَبَر علمانية في ظاهرها لا تسمح للحقل الديني بالعمل بشكل مستقل، وهو ما يُظهر فجوة بين النظرية والممارسة. يطرح فكرة أنالدولة بطبيعتها تسعى لتوسيع نطاق سلطتها لتشمل جميع أوجه الحياة العامة، بما في ذلكالقيم الروحية.
الإصلاح الديني والغرب: أوهام ومصالح
في جزء مخصص للإصلاح الديني، ينتقد المؤلفالمبادرات الغربية التي تدّعي رغبتها في تجديد الإسلام. يوضح أن هذه المبادرات ليست سوى أدوات لتفكيك البنى الدينية بما يخدممصالحها الاستراتيجية في المنطقة. يوضح أن ما يُسمّى «الإصلاح» غالباً ما يُقصد بهإضعاف الهوية الدينية لتسهيل نفوذ القوى الغربية، وهو ما ينعكس في سياسات بعض الدول التي تتلقى دعمًا من الغرب على حساب استقلالية المجتمعات المحلية.
الديمقراطية في العالم العربي: بين الأمل والواقع
يتعمق الكتاب فيقضية الديمقراطية، مؤكدًا أن الاعتماد على نماذج ديمقراطية غربية لا يكفل حل أزمات المنطقة. يوضح أن تطبيقآليات ديمقراطية دون مراعاة الخصوصيات الجغرافية والسياسية لا يؤدي إلا إلى فشل الأنظمة الجديدة، كما حدث مع بعض الأنظمة الإسلامية التي حاولت دمج الديمقراطية بصورة مفرطة في بيئات لا تدعم ذلك.
يشير إلى أنالخطاب الديمقراطي أصبح سائدًا بين النخب العربية بعد انهيار الموجة الاشتراكية، لكنه يظل أداة تُستَخدم أحيانًا لتغطية الفشل السياسي الحقيقي.
الدولة القطرية كحالة دراسية
يستخدم المؤلفالدولة القطرية كمثال علىالتجزئة السياسية التي تُعَدّ من أخطر الظواهر التي تواجه العرب اليوم. يوضح أن التجزئة لا تقتصر على الحدود الجغرافية، بل تشملالتوجهات الثقافية، السياسات التعليمية، والهويات السياسية، مما يجعل الدول العربية عرضة لسلسلة من الأزمات المتلاحقة.
يُقارن ضعف الكيان القُطري مع دول صناعية ذات قدرة عسكرية وعلمية عالية، مؤكدًا أن الفجوة لا تتعلق فقط بالمستوى التكنولوجي، بل بضعفالكيانات السياسية التي لا تستطيع تأمين الموارد اللازمة للنهوض.
العروبة والهوية القومية: بين النظرية والتطبيق
ينتقدرفيق عبد السلام فكرة أن العروبة تُستَبدَل بأيديولوجية قومية متطرفة، داعيًا إلى استعادةالعروبة كربط سياسي ولغوي يُسهم في تعزيز التكامل العربي. يؤكد أن العروبة ليست عقيدة أو إيديولوجيا، بل هيإطار سياسي يتيح للعرب والمسلمين التكاتف لمواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.
المستقبل: نحو مشروع عربي متوازن
في ختام الكتاب، يدعو المؤلف إلىحياد إيجابي للدولة فيما يخص شؤون الدين والمجتمع، مع احترام التعددية الدينية والثقافية. يطرح فكرة أن الدولة لا يجب أن تفرض أنماطًا ثقافية، بل تُعنى بحمايةالسلم المدني وتوفير الخدمات العامة.
يُختتم بعبارة تحث علىتحريك مشروع عربي شامل يتفاعل مع الجوار الإسلامي (مثلتركيا، إيران، باكستان) مع مراعاة التنوع العرقي والديني في المنطقة. يوضح أنالتحولات العالمية لا يمكن إيقافها، لكن العرب قادرون على صياغة مسارهم الخاص إذا ما توحدوا حول رؤية مشتركة.
الخطوة القادمة قد تكون تشكيلمنتدى إقليمي يضم ممثلي الدول العربية لتبادل الخبرات ووضع استراتيجيات مشتركة لإعادة هيكلة الدولة، وتعزيز دور المجتمع المدني، وتحديد أولويات التنمية الاقتصادية والعلمية بما يتماشى مع تطلعات الشباب العربي.
بهذا التحليل الموسع، يفتح«الإخفاق العربي» بابًا للنقاش العميق حول مستقبل الدول العربية، خاصةً في ظل التحديات المتشابكة بينالدين، الدولة، والإصلاح الغربي.





