تأثير رينيه جيرار على اليمين الأمريكي الجديد

تأثير رينيه جيرار على اليمين الأمريكي الجديد
في مكان ما من كتابه "العنف والمقدس"، يشير الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار إلى أن "الابن البار يقلد والده بشغفٍ بالغ، حتى يصبح كلٌ منهما عقبة لا محيد عنها أمام الآخر، وهو وضعٌ يتجنبه الابن اللامبالي بسهولة أكبر". هذه العلاقة الجدلية تنطبق على رينيه جيرار نفسه في علاقته مع بيتر ثيل، مؤسس شركة بالانتير، والشخص الأكثر تأثيرا في اليمين التكنولوجي الأميركي الجديد، بوصفه أحد الأبناء البررة الفكريين لجيرار.
حدث ذلك أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عندما التقى ثيل بمعلمه جيرار لأول مرة في حرم جامعة ستانفورد، وهو اللقاء الذي لن يقلب حياة ثيل وحده، بل ومعه تيار واسع من الشباب التائهين بين فرضيات نهاية التاريخ وتفكك عرى الحداثة. لقد كان جيرار نسيجا لوحده في غابة من الفلاسفة المتشابهين. فرنسي غريب الأطوار، يُلقي محاضراته بأسلوب كثيف ومتكرر، وساحر على نحو لافت. جذبت أصالته التي تغرد خارج سرب الأنساق الأكاديمية السائدة، ثيل الشاب، مما وفر له ولغيره من الطلاب لغة بديلة لفهم الحياة الاجتماعية المعاصرة والدين وجوهر النزاع والتنافس بين البشر.
من اللقاء الأول إلى التأثير العميق
كان ثيل طالبا يميل إلى التمرد، فجذبته رؤية جيرار لأنها قدمت نقدا مختلفا تماما للعالم الحديث والمسيحية، وهو ما كان يتعارض مع الأفكار التقليدية السائدة في ذلك الوقت والمكان. لاحقاً تعمقت معرفتهما من خلال المشاركة في مناقشات الغداء والندوات العلمية، التي كانت تُقام في ستانفورد. خلال هذه الجلسات، ذُهل ثيل بمدى "بصيرة" جيرار عن الطبيعة البشرية، وقدرته الفريدة على فهم ما يحدث فعلياً في سياقات إنسانية معينة.
نظرية المحاكاة والتطبيق العملي
ومن خلال هذا المفهوم، استطاع تفكيك ما أسماه بـ"الأكذوبة الرومانسية" التي تقدس استقلالية الفرد وتدعي أن رغباتنا تنبع من ذواتنا العميقة. فهو يرى أن الرغبة لا تتكون من طرفين "الذات والموضوع" كما يُعتقد تقليدياً، بل هي بنية ثلاثية تضم "الذات الراغبة، والموضوع المرغوب فيه، والنموذج أو الوسيط". فالإنسان، بطبيعته ككائن لا يعرف ماذا يريد، ولذلك يلجأ إلى الآخرين ليقرروا له اتجاه بوصلة رغبته. فنحن لا نرغب في الشيء لقيمته الذاتية، بل لأن "النموذج" يرغب فيه، مما يمنح ذلك الشيء قيمة مضافة في أعيننا.
اليمين الجديد وتأثير جيرار
مع تراكم أزمة النيولبيرالية تطورت أفكار جديدة مضادة داخل اليمين الأمريكي، تجلت بوضوحٍ في عام 2016 مع صعود دونالد ترامب. بالتزامن مع ذلك، بدأ تيار فكري بالظهور في وادي السيليكون، من خارج النزعة الليبرتارية التقليدية لليمين، أي النزعة لمحو دور الدولة على نحو جذري، وأيضاً من خارج النزعة المحافظة الجديدة. كان إطاراً فكرياً مختلفاً، أحد رواده هو بيتر ثيل وتلميذه جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي الحالي، أما أساسه الفكري فيستند إلى فلسلفة رينيه جيرار، الذي رحل عن دنيا الناس في 2015.
من ستانفورد إلى البيت الأبيض
ويبدو أن طريق فهم التطور الفكري للترامبية الصاخبة، من مجرد حركة احتجاجية غاضبة وهشة إلى أيديولوجية متماسكة لليمين الجديد، تمرّ بالضرورة بفهم انتقال أفكار جيرار إلى هذا التيار الذي ينظر إلى العالم الحديث بوصفه عالماً عالقاً في دوامات التقليد والمحاكاة، مدفوعا بالتنافس ويتجه نحو أزمة لا يمكن حلها إلا بحدثٍ واحدٍ مزعزعٍ، وكيف أصبحت نظريات جيرار بمثابة النظام التشغيلي لبعضٍ من أكثر العقول نفوذاً.
الرغبة المحاكية وآلية كبش الفداء
يبني جيرار فهمه لأصول العنف البشري على فرضية أن "الرغبة الإنسانية ليست فطرية أو عفوية كما يتوهم الفرد، بل هي رغبة بالتقليد أو محاكاة لرغبة شخص آخر". ومن خلال هذا المفهوم، استطاع تفكيك ما أسماه بـ"الأكذوبة الرومانسية" التي تقدس استقلالية الفرد وتدعي أن رغباتنا تنبع من ذواتنا العميقة.
تأثير جيرار على ثيل وفانس
وجد فانس، الذي نشأ في بيئة مضطربة ومنخفضة الدخل في أوهايو، في أفكار جيرار تفسيراً للتدهور الاجتماعي الذي شهده في مسقط رأسه. فبينما رأى علماء الاجتماع في الفقر أو نقص التعليم سبباً لذلك التدهور، وجد فانس، من خلال منظور جيراردي، في فكرة انهيار النظام الثقافي وأزمة التقليد تفسيرا مقنعا.
اليمين الجديد والصراع الثقافي
أدت هذه العلاقة الإرشادية إلى خلق رابطة أيديولوجية صلبة. يشترك ثيل وفانس في الاعتقاد بأن النخبة الحديثة عالقة في حلقة مدمرة من "الرغبة المحاكية"، وأن النظام السياسي معطل لأنه فقد القدرة على تمييز الحقيقة. وإذا كان ثيل يطبق أفكار جيرار على عالم الأعمال والرؤية القيامية الأوسع، فإن دي فانس يطبقها على الصراع الثقافي واللاهوت.
مستقبل اليمين الجديد
لكن قياسا بترامب، يبدو ثيل وفانس أكثر ذكاء ووعيا. لذلك دائما ما يظهر السؤال عن مكمن السحر في هذا الرجل كي يتّبعه أشخاص أكثر منه ذكاءً وفطنةً وإدراكا. والحقيقة أن بيتر ثيل وجي دي فانس وغيرهما من رموز هذا اليمين الجديد، لا يدعمان ترامب لأنهما يعتقدان أنه قديس أو مخلص مثل ما يعتقد البسطاء من قاعدته الشعبية. لكن يدعمانه لأنه يمثل "حجر العثرة المطلق" أو "سكاندالون".







