جرائم أسرية في الأردن تتصاعد؛ الأطفال يدفعون الثمن

جريمة مروعة في الكرك تثير الجدل
في مساء يومٍ من أيام شهر أبريل ٢٠٢٦، ارتكبتجريمة مروعة في محافظةالكرك جنوب الأردن، حيث قام أب بقتل أطفاله الثلاثة طعناً، موجهًا لهم ضربات قاتلة في القلب والبطن والرقبة أمام أعين بعضهم البعض. جاء الدافع في تصريح الشرطة إلىالانتقام من والدة الأطفال، ما ألقى بظلالٍ قاتمة على مفهوم الأمان داخل الأسرة الأردنية.
نمط العنف الأسري يتكرر
هذه الواقعة ليست معزولة؛ فقد شهدت الأشهر الأخيرة حوادث مشابهة أثارت صدمة الرأي العام. ففي حادثة سابقة قتلتأم ابنتيها قبل أن تنهي حياتها، بينما ألقى أب في محافظةالزرقاء طفليه في مجرى سيل مميت. تتقاطع دوافع هذه الجرائم فيالعنف الأسري المرتبط بأزمات نفسية واجتماعية، ما يعكس نمطًا متزايدًا من السلوكيات القاتلة داخل المنازل.
إحصاءات ٢٠٢٥ وتحليل الخبراء
حسب بياناتمعهد تضامن النساء الأردني، سجل عام ٢٠٢٥ ما مجموعه١٧ واقعة قتل ووفاة داخل الإطار الأسري، منها١٣ أنثى و٧ ذكور. رغم انخفاض عدد الحالات مقارنةً بالسنوات السابقة، إلا أن الأساليب المستخدمة ارتقت إلى مستوياتٍ أكثر قسوةً، مع تركيز واضح علىالنساء والفتيات والأطفال.
توضحالدكتورة حنين البطوش، الاستشارية النفسية المتخصصة في قضايا الأسرة، أن هذه الجرائم لا تنبع من لحظة غضب عابرة، بل من تراكماتٍ نفسية عميقة تؤدي إلىانفصال عاطفي وفقدان القدرة على التعاطف. وتضيف أن الجاني قد يرى الطفل كأداة للانتقام أو لإثبات السيطرة، وهو ما يكشف عنخلل في المنظومة القيمية والانفعالية.
من جانبه، يوضحالدكتور عاطف القاسم، اختصاصي علم النفس الإكلينيكي ورئيس جمعية العلوم النفسية، أن هذه الجرائم تُصنّف ضمن جرائمالانتقام من الشريك، حيث يُعامل الأطفال كامتدادٍ للزوجة أو الشريك، ما يدفع الجاني إلى إيذائهم لإلحاق أكبر قدر من الألم بالطرف الآخر. ويرى أن الضغوط النفسية الشديدة، مثل الخلافات الزوجية الحادة أو الشعور بالإهانة، قد تُفضي إلى ما يُسمى بـ"التفكير النفقي"، حيث يضيق الإدراك وتُتخذ قرارات كارثية.
رؤى أخصائيي النفس والاجتماع
يؤكدالدكتور حسين محادين، أستاذ علم الاجتماع والجريمة، أن العنف الأسري المتجدد يعود إلىتراكماتٍ نفسية متوترة داخل العلاقات الزوجية، خاصةً في ظل غياب التنشئة الاجتماعية المتوازنة. ويشير إلى أن انتشار مشاهد العنف عبر وسائل التواصل وتبني "ثقافة الصورة" يسهم في ترسيخ سلوكيات عدوانية قد تُقلدها فئاتٌ حساسة.
أمااستشاري الطب النفسي علاء الفروخ، فيشدّد على ضرورة التمييز بين الجرائم المدفوعة بالانتقام وتلك الناتجة عن اضطرابات نفسية تقليدية. ويؤكد أن كثيرًا من الجناة لا يعانون من أمراض نفسية محددة، بل يواجهونمشكلات عميقة في بنية الشخصية، ما يجعلهم يتحولون من مصدر أمان إلى تهديدٍ لأطفالهم. يدعو الفروخ إلى تبني مفهوم "التأهيل النفسي قبل الزواج"، لتجهيز المقبلين على الزواج بوعيٍ كافٍ حول أدوارهم ومسؤولياتهم داخل الأسرة.
ردود الجهات الأمنية والجهات المعنية
صرّح مصدر أمني أردني مسؤول للوكالة أن غالبية الجرائم من هذا النوع تُرتكب بدافعالانتقام، وأن الجناة غالبًا ما يبررون أفعالهم بالرغبة في إلحاق الألم بالشريك. وأشار إلى أن معظم الخلافات التي بدت معقدة انتهت بالصلح مع تقدم الأطفال في العمر، ما يجعلهم حلقة وصل بين الطرفين.
من جهة أخرى، أكدتجمعية معهد تضامن النساء الأردني على ضرورة تكاتف الجهود الرسمية والوطنية للحد من هذه الجرائم، مع تعزيز أدوات الحماية المبكرة للنساء والأطفال وضمان المساءلة. ودعت إلىإعادة النظر في إسقاط الحق الشخصي في قضايا العنف الأسري، مؤكدة التزامها برصد وتحليل هذه الجرائم ومناصرة حماية الأسرة الأردنية.
خطوات الوقاية ومستقبل الحماية
تُظهر الفجوة بيناحتياجات المجتمع وخدمات الصحة النفسية المتاحة أن عدد الكوادر المؤهلة لا يزال أقل من حجم الطلب، رغم الجهود الحكومية المتواصلة. ويقترح الخبراء توسيع شبكةمراكز الإرشاد الأسري، وإنشاء خطوط دعم ٢٤ ساعة، وتكثيف حملات التوعية بإدارة الغضب.
كما تُدعى الجهات المختصة إلى وضعاستراتيجية وطنية شاملة تعالج العنف الأسري من جذوره، تشمل برامج تأهيل نفسي قبل الزواج، وتعزيز دور المدارس في تعليم مهارات التواصل وحل النزاعات، وتوفير تمويلٍ مستدام للقطاع الخاص لتقليل التكلفة على الأسر المحتاجة.
إن معالجةجرائم أسرية في الأردن تتطلب نهجًا متعدد الأبعاد يجمع بين الوقاية، التدخل المبكر، والمسائلة القضائية الفعّالة. ومع اتخاذ خطواتٍ جريئة في هذا الاتجاه، يمكن تحويل مسار العنف إلى مسارٍ من الحماية والرعاية، لضمان أن يبقى الأطفال في كنف أسرٍ آمنة لا تهدد حياتهم.











