هندسة ضم التفتيت اليهودي تهدف إلى تشكيل "كنتونات" في فلسطين المحتلة

حسرة على التفتيت الاستيطاني
تتواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في خطوة من تسارع وتيرة الضم الزاحف، حيث أقر المجلس الوزاري المصغر سرا إنشاء 34 مستوطنة جديدة في عموم الضفة الغربية المحتلة. وتأتي هذه القفزة الاستيطانية لتتركز في محافظتي الخليل وجنين، وقرب من جدار الفصل العنصري، في مسعى إستراتيجي لتذويب حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وتفتيت ما تبقى من الحيز الجغرافي الفلسطيني.
مأساة الأرض الفلسطينية
يصف المواطن فهد القواسمي في الخليل هذه المأساة بأنها استلاب لغلاوة الأرض وهويتها. حيث باتت أرضه التي ورثها أبا عن جد بمساحة 500 دونم، اليوم مسرحا لتجريف آليات الاحتلال تمهيدا لإقامة مستوطنة "كرمي يهودا". ويؤكد القواسمي أن تقديم الشكاوى لشرطة الاحتلال بات بلا جدوى، فالفلسطينيون يدركون أن "الشرطي بالنهار هو ذاته المستوطن بالليل".
مصادرة الأرض وتحويلها إلى معازل بشرية
ولا يقتصر الخطر على مصادرة الأرض فحسب، بل يمتد إلى تحويل هذه البؤر إلى مصادر رعب دائمة للسكان المحيطين بها. يقول محمد الأطرش في تقرير له أن توزيع المستوطنات الجديدة يهدف إلى عزل المدن الفلسطينية الكبرى بعضها عن بعض. ويضيف الأطرش أن المخطط يسعى إلى ربط كتل استيطانية مثل "غوش عتصيون" بـ"كرمي تسور"، مما يؤدي إلى عزل مدينة الخليل عن شرقها، وفصلها تماما عن محافظة بيت لحم.
تحويل الضفة إلى "كنتونات"
ولا يهدف هذا التوسع الاستيطاني فقط إلى تقليص المساحات، بل إلى خلق "كنتونات" ومعازل بشرية تمنع أي امتداد طبيعي للقرى والمدن الفلسطينية. ويشرح الخبير في شؤون الاستيطان سهيل خليلية أن ما يجري هو قفزة غير مسبوقة، إذ ارتفع عدد المستوطنات من 178 مستوطنة مطلع عام 2023 إلى نحو 297 مستوطنة حاليا. ويضيف خليلية أن الاحتلال أقر في عام واحد ما يعادل 50% مما بناه منذ عام 1967، بالتوازي مع تغيير القوانين وتدشين شبكة طرق التفافية تفصل حركة المستوطنين عن الفلسطينيين.
الاستقلال الفلسطيني مستحيل
ويخلص خليلية إلى أن إسرائيل لا تكتفي بالقضاء على "حل الدولتين" التقليدي، بل تعيد تعريفه ليصبح "كيانين" داخل حدود الضفة الغربية نفسها: أحد للمستوطنين يمتلك الموارد والأرض، وآخر للفلسطينيين مشتت في معازل مخنوقة، مما يجعل من الاستقلال الفلسطيني مستحيلا جغرافيا وسياسيا.
الهرولة نحو الضم
وتشكل السنوات الثلاث الأخيرة، ولا سيما منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرحلة "الهرولة نحو الضم". حيث انتقلت إسرائيل من نمط الاستيطان الحكومي الرسمي إلى نمط "الخصخصة الميدانية". ويبرز ما يعرف بـ"الاستيطان الرعوي" كأخطر الأدوات، حيث يقيم عدد محدود من المستوطنين خيمة مع قطيع أغنام، وبحماية الجيش يسيطرون على آلاف الدونمات المحيطة.
أين تذهب فلسطين؟
ومن المهم أن نلاحظ أن هذه الخطوة الاستيطانية الجديدة تعكس تصميم إسرائيل على ضم الضفة الغربية كاملة، مما يؤدي إلى عزل المدن الفلسطينية بعضها عن بعض وتحويلها إلى معازل بشرية. فما هي المستقبل ل فلسطين؟ هل ستظل معزولة في معازل بشرية؟ أو سوف تتحول إلى "كيانين" مستقلين؟ هذه هي الأسئلة التي تلوح في الأفق، وتحتاج إلى إجابات سريعة ومحددة.











