إسرائيل بعد سيطرة جالوت: تحوّل واقعي جديد

هدأت ألسنة اللهب التي اشتدت على أرض المعركة، وعلت أصوات التحليل والتنبؤ. في إسرائيل يتحدث الكثيرون علانية عن أن بلادهم أصبحت رهينة أو دمية بيدين أميركيتين، كما كتبإيهود باراك في صحيفةهآرتس مؤخراً. وعلى الجانب الآخر، يرى الكثيرون في واشنطن أن البيت الأبيض أسير في يد القادة الإسرائيليين، مما يعيد تشكيل العلاقة المعقدة بين البلدين.
التحول الأمريكي: من "داود" إلى "جالوت"
يرىإدوارد لويس في مقاله بصحيفةفايننشال تايمز أن الصورة الكلاسيكية لإسرائيل ك"داود الصغير" المواجه لـ"جالوت" قد انتهت. اليوم، تُعتبر إسرائيل نفسها "جالوت" العصر، قوة لا تخشى القانون وتُستخدم من قبل الولايات المتحدة لفرض مصالحها. هذا التحول أفقد واشنطن مصداقيتها على الساحة الدولية، خاصة بعد انتهاكها للقانون الدولي بدعم إسرائيل في وجه المحكمة الجنائية الدولية.
الشباب الأمريكي: انقلاب في التعاطف
في أحدث استطلاع نُشر من قبل شبكةإن بي سي، وجد أنثلثي الشباب الأمريكي (من 18 إلى 29 عاماً) يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين. هذا الانقلاب الجذري في الموقف العام يعود جزئياً إلى انطباع متزايد بين الأمريكيين بأن بلادهم مُمسكة بخناق إسرائيل، وهو انطباع عززته الحرب على إيران ودعم إسرائيل المكثف.
السينما المسيحية: أداة تشكيل الواقع
لعبت السينما المسيحية دوراً محورياً في تشكيل الصورة الذهنية للصراع العربي-الإسرائيلي في العقلية الأمريكية. منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، استخدمت الأفلام المسيحيةالخيال التوراتي لدعم المشروع الإسرائيلي، مقارنةً بين اليهود والإسرائيليين كـ"موسى وداود" وبين خصومهم كـ"فرعون وجالوت".
في الخمسينيات، أنتج الفيلم الشهير"الوصايا العشر" بتجسيد واضح لصراع موسى مع فرعون، وكان يُستخدم كرمز للقتال ضد الشيوعية. في القرن الحادي والعشرين، أعادت السينما تشكيل هذه الصورة، حيث أصبحت إسرائيل قوة لا تُقاوم، بينما تُصور الفلسطينيون كـ"الكنعانيين" المطرودين.
التحولات السياسية: من الدعم غير المشروط إلى الانتقاد
في ظل هذا التحول، شهدت واشنطن مواقف سياسية غير مسبوقة. في الآونة الأخيرة، صوت40 سيناتوراً ديمقراطياً من أصل 47 ضد بيع السلاح لإسرائيل، وهو خطوة كان من الصعب تصورها قبل سنوات. هذه الحركة تشير إلى رغبة متزايدة في إعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً مع تزايد الانتقادات الدولية ضد إسرائيل.
المستقبل: ماذا بعد؟
مع اقتراب إنتاج فيلم"السابع من أكتوبر" أو"أيدي حماس" من تأليفديفيد وايت، من المتوقع أن تشهد السينما الأمريكية تحوّلاً جوهرياً في تناول الصراع. الفيلم قد يعيد تقديم إسرائيل كضحية، لكن مع تصاعد الانتقادات، قد تصبح السينما أداة لتصحيح الصورة الزائفة التي تم بناؤها عبر العقود الماضية.
الخلفية التاريخية: كيف صنعت السينما الإيمان
منذ حقبةالبروتستانت الإنجيليين في القرن التاسع عشر، استخدمت السينما المسيحيةالخطاب التوراتي لبناء هوية أميركية متمسكة بقيمها الدينية. في فيلم"داود وجالوت" (1960)، تجسد هذه الفكرة بشكل صارخ، حيث يُقارن البطل مع إسرائيل الحديثة، بينما يُشخص العدو على أنه الشيوعية أو الفوضى.
اليوم، مع تغير المواقف الشبابية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، تواجه السينما المسيحية تحدياً في الحفاظ على هذه الصورة. ومع تصاعد الأصوات المطالبة بمساءلة إسرائيل، قد تتغير السينما لتصبح أداة نقد، لا دفاع.
الخلاصة: عصر ما بعد الجالوت
بعد أن كانت إسرائيل "داود" المواجه لجالوت، أصبحت اليوم "جالوت" جديدة تواجه أعداءها. هذا التحول يعكس صراعاً داخلياً في العقلية الأمريكية بين الولاء للقيم الدينية وضرورة احترام القانون الدولي. ماذا يعني ذلك للمستقبل؟ قد يُعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية، حيث تصبح واشنطن مرتعاً للجدل حول دورها في دعم قوة قد تصبح مهددة لها ذاتها.











