إسرائيل وأطفال اليمن: اختطاف من الخمسينيات وتستر حكومي دون اعتذار

اختطاف الأطفال يمني الأصل في الخمسينيات وما تلاه من تستر
تُعيدإسرائيل اليوم إلى الواجهة ملفاً تاريخياً يمتد لأكثر من سبعين عاماً، يبدأ في منتصف الخمسينيات عندما هاجر الزوجانإيزار وسارة تساروم من صنعاء إلى مخيمعتليت بالمهاجرين في مدينةحيفا، مصطحبين ولديهما الصغيرين. في المخيم وُلدت الطفلةزيونا، لكن بعد أيام قليلة أُدخلت إلى المستشفى وأُبلغ الوالدان بوفاتها ودفنها، دون أن يُسمح لهما برؤية الجثة. استمر العزاء لمدة عقود، ولم يعرف الأخ الأكبرصيون بوجود أخت له.
في أواخر الستينات، كشف قريب العائلة العامل في دائرة الإحصاءات المركزية عن تناقض في السجلات الرسمية:زيونا كانت على قيد الحياة، وقد تم نقلها إلى عائلة يهودية ثرية في حيفا، تُعرف بصلاتها الوثيقة مع المسؤولين الحكوميين. هذه الواقعة لم تكن حالة استثنائية، بل هي أحدى مئات القصص الموثقة في أرشيفجمعية عمرام التي جمعت شهادات عائلات يمنيّة، تونسية، ليبية وأخرى من دول البلقان، موثقةً نمطاً ممنهجاً لاختطاف الأطفال وتبنيهم في أسر يهودية.
الأرشيف يكشف حجم النظام المنظم
تؤكد وثائقعمرام أن عملية الاختطاف كانت منظمة من مرحلة وصول المهاجرين إلى إسرائيل، حيث تُسحب الأطفال من أمهاتهم في المخيمات وتُسجَّل وفاتهم ببيانات زائفة. تُعطى إشعارات وفاة كاذبة، وتُحرم العائلات من دفن الجثث أو حتى من الحصول على شهادة وفاة. تُظهر السجلات أن ما لا يقل عنألفين من أطفال اليمن اختفوا تحت ستار الوصايا الطبية، وأن بعضهم لا يزال على قيد الحياة في أسر أخرى دون علم ذويهم.
في عام 2023، تابعت قناةالجزيرة تحقيقاً خاصاً للبرنامج المتحري، فُتح فيه ملف “بساط الريح” الذي شهد ترحيل نحوخمسين ألفاً من يهود اليمن إلى إسرائيل، وتبين أن ما يقرب منألفين من أطفالهم اختفوا بعد وصولهم، ما زال مصيرهم مجهولاً. الوثائق التي عُثر عليها في الأرشيف الإسرائيلي أظهرت محاولات متكررة لتدمير الأدلة أو إخفاؤها قبل جلسات اللجان الرسمية، بما في ذلك حذف أسماء الأطفال من السجلات.
لجنة وزارة الصحة وإغلاق التحقيق
في مايو/أيار 2023، أسس وزير الصحةموشيه أربيل لجنةً حكوميةً للتحقق من تورط القطاع الطبي في قضية اختفاء الأطفال. كان الهدف من اللجنة فحص دور المستشفيات ومراكز المهاجرين في عمليات الفصل والتبني غير القانوني. جاء تشكيل اللجنة استجابةً لاحتجاجات حادة بعد رفض مسودة تقرير داخلي أعدهالبروفيسور إيتامار غروتو والدكتورة شلوميت أفني في عام 2021، والذي وثّق تورط النظام الصحي في تجارب طبية غير موافقة على الأطفال وإصدار شهادات وفاة كاذبة.
على الرغم من أن التقرير قدم أدلة دامغة، إلا أن الحكومة أوقفت اللجنة قبل أن تصدر أي نتائج. في بيان رسمي، أكدتوزارة الصحة أن اللجنة “لا تملك الأدوات اللازمة لإجراء دراسة تاريخية شاملة” وأنه “من الصعب تنفيذ ذلك في الوقت الراهن”. هذا الإغلاق لم يقتصر على اللجنة فحسب، بل أوقف أيضاً عملية فك رموز القبور في معهد الطب الشرعي؛ فتم فتح أربعة من القبور الخمسة، لكن التحقيق في القبر الخامس لم يُستكمل، وتظل عشرة قبور أخرى تنتظر الفتح وفقاً لأحكام المحكمة.
المحامىرامي تسبري، الذي يمثل العائلات المتضررة، صرح: “كنا في منتصف إجراءات فتح القبور عندما اندلعت الحرب، وعُثر على تطابق في القبر الأول، لكن لم نتلقَ أي رد بخصوص القبور الأربعة المتبقية”. وأضاف أن “العائلات لا تزال تنتظر فتح عشرة قبور أخرى أُقرّتها المحكمة”.
خطة التعويضات والاعتراف الضمني
في فبراير/شباط 2021، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة تعويضات بقيمةمائة واثنان وستون مليون شيكل (ما يقرب منخمسين مليون دولار) للعائلات التي هاجرت إلى إسرائيل في الفترات الأولى. رغم أن هذه الخطوة اعتُبرت إقراراً ضمنياً بوجود خطأ، إلا أنها جاءت مشروطة بتوقيع عائلات المتضررين على إقرار بعدم رفع دعاوى قضائية مستقبلية.
أعلن رئيس الوزراءبنيامين نتنياهو أن كل طفل لا يزال مصيره مجهولاً سيحصل علىمائتي ألف شيكل (حواليواحد وستون ألف دولار) كتعويض، مع شرط التنازل عن أي إجراءات قانونية أخرى. هذا الشرط أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان وجمعيات الضحايا، حيث اعتبروا أن التعويض لا يغني عن الاعتذار الرسمي ولا عن كشف الحقيقة.
ردود الفعل والمساعي المستقبلية
صرّحتوم ماهاغر، الرئيس التنفيذي لجمعيةعمرام، أن “القضية بدأت باختطاف أطفال من ذويهم واستمرت في ظل التستر لمدة خمسة وسبعين عاماً”. وأكد أن الجمعية ستستمر في توثيق الشهادات، تنظيم أيام توعية، ونشر المواد ذات الصلة، مشدداً على أن “لن نهدأ حتى تتحقق العدالة”.
من جانبها، أكدتالبروفيسور إيتامار غروتو أن النظام الصحي أظهر سلوكاً عنصرياً واضحاً، وأن “الناس لا يحبون مواجهة هذه الحقيقة، والعنصرية لم تختفِ”. وأضاف أن “التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا بفتح الملفات وتقديم اعتذار تاريخي للمتضررين”.
في ظل استمرار إغلاق اللجان وإخفاء الوثائق، تتصاعد الضغوط الدولية والمحلية للمطالبة بفتح جميع القبور، وإعادة فتح التحقيقات، وتقديم اعتذار رسمي من الدولة الإسرائيلية. كما يتوقع أن تُرفع دعاوى قضائية جديدة في محاكم دولية، مستندةً إلى تقارير حقوق الإنسان التي توثق الانتهاكات.
ما يلزم للخطوة القادمة
مع اقتراب عام جديد على ذكرى اختفاء أطفال اليمن، تتعاظم الدعوات لتشكيل لجنة مستقلة دولية تُعيد فتح القضايا وتُعيد كتابة التاريخ. يترقب المجتمع الدولي رد فعل الحكومة الإسرائيلية، خاصةً بعد أن أظهرت التجارب السابقة أن إغلاق اللجان لا يفضي إلى حل، بل يزيد من حدة الغضب والاحتجاجات. إن تحقيق الشفافية وإصدار اعتذار رسمي قد يكونان خطوة أولى نحو مصالحة تاريخية، بينما يبقى السؤال: هل ستستجيب السلطة الإسرائيلية للضغوط المتزايدة أم ستستمر في مسار التستر؟





