الناشرون العرب يواجهون الذكاء الاصطناعي وتحديات التكلفة في معرض الدوحة

صمود الورق في خضم الرقمنة
فيالدوحة، وبالتحديد خلال فعالياتمعرض الدوحة الدولي للكتاب الذي افتتح في التاسع والعشرين من مايو 2026، اجتمعت520 دارًا من37 دولة موزعة على919 جناحًا لتستعرض أحدث إصداراتها وتناقش معاً واقع صناعة النشر العربية. وعلى الرغم من الانتشار الواسع للمنصات الرقمية، أكدإيهاب محمد مدير مبيعات دارجداول للنشر والترجمة والتوزيع أنالكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بجاذبيته بين شريحة معتبرة من القرّاء الذين يفضلون اللمسة المادية وإحساس الصفحات. وأضاف أن المعارض العربية، بما فيها معرض الدوحة، تشهد حضورًا ثابتًا للكتب المطبوعة، ما يعكس استمرارية الطلب على التجربة التقليدية.
الذكاء الاصطناعي وتحوّل ذائقة القارئ
تجاوزت تأثيرات التقنية حدود الإنتاج لتدخل عادات القراءة نفسها. فقد أوضحمحمد مصطفى مدير داردوّن للنشر والتوزيع في مصر أنوسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي أُعيدا تشكيل أذواق القرّاء العرب، مما جعلهم أكثر قدرة على استكشاف مجالات جديدة غير مألوفة. ورأى أن هذه الظاهرة تمثل فرصة لتوسيع قاعدة القارئ بدلاً من أن تكون تهديدًا.
في الوقت نفسه، أشارمحمود عبد النبي من دارإبييدي إلى أن بعض الكُتاب بدأوا يستعينون بأدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد مسودات أولية أو تحسين النصوص، لكن داره تتبع آليات دقيقة لاكتشاف أي تدخل تقني غير مرغوب فيه. ورأى أن الذكاء الاصطناعي لا يزال بعيدًا عن محاكاةالحس الإبداعي الكامل للكاتب، لأن الكتابة الإنسانية تبقى نتاج تجربة خالصة وخيال لا يمكن للبرمجيات استنساخه بالكامل.
التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج
لم تقتصر المشكلات على الجانب الرقمي، بل امتدت إلىسلاسل الإمداد وتكاليف الإنتاج. صرحوليـد مصطفى مدير المركز القومي للإصدارات القانونية في مصر أن تكلفة مدخلات النشر ارتفعت إلى ما يقاربخمسة أضعاف مقارنةً بالسنوات السابقة، إضافة إلى ارتفاع حاد في أجور الشحن نتيجة التوترات الإقليمية. وأوضح أن الكتب الثقافية هي الأكثر تضررًا في هذا السياق، إلا أن الناشرين ما زالوا يسعون لإيجاد حلول مستدامة.
استراتيجيات التسويق في بيئة رقمية مزدحمة
يتطلب الترويج للكتاب الآن عبوربيئة رقمية تتنافس فيها مئات المنصات على انتباه القارئ. وأشارالدكتور نصير الكعبي مدير المركز الأكاديمي للأبحاث في العراق إلى أن الذكاء الاصطناعي يتيح للناشرين تحليل سلوك القارئ بدقة أكبر وتحديد أوقات التفاعل المثلى. كما أضاف أن اسم الكاتب المشهور يضيف وزنًا إضافيًا عندما يُروّج للكتاب عبر متابعيه على وسائل التواصل.
تنوع الطلب وتغيّر أذواق القارئ العربي
أظهرأحمد الراضي مدير دارالكتب العلمية في العراق أن الطلب على الكتب المترجمة، خاصة في مجالاتالإدارة والمهارات والعلوم المبسطة، يشهد ارتفاعًا ملحوظًا. وعلى النقيض من ذلك، تراجع الطلب على بعض الإصدارات الدينية والتاريخية التقليدية، فضلاً عن الكتب التعليمية التي بدأت تحل محلها بدائل التعلم الرقمية.
جودة النص وحضور الكاتب الرقمي
عند اختيار المخطوطات، يضعمحمد البعلي مدير ومؤسس دارصفصافة للنشر والتوزيع في مصر الجودة في المقام الأول، مع اعتبار الحضور الرقمي للكاتب قيمة مضافة خاصةً للكتب التي تستهدف جمهورًا واسعًا. وأكد أن "الفيصل في النهاية هو نوع الكتاب"، مشيرًا إلى أن التوازن بين جودة المحتوى وشعبية الكاتب على المنصات الاجتماعية أصبح عاملًا حاسمًا في اتخاذ القرار النشر.
آفاق المستقبل للناشرين العرب
مع تواصل تطورالخوارزميات وتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، سيظل الناشرون العرب مطالبين بتجديد استراتيجياتهم لتلبية توقعات قرّاء يطلبون تجارب قراءة مرنة ومتنوعه. وتظهر المؤشرات أن الجمع بينالورق والرقمية، مع الحفاظ علىالإبداع الإنساني، قد يكون المسار الأكثر استدامة لتجاوز التحديات الاقتصادية والتقنية الحالية.
إن مستقبل النشر العربي يعتمد الآن على قدرة الصناعة علىالتكيّف مع التحولات التقنية وتوجيه الاستثمارات نحو تحسين سلاسل الإمداد وتبني أدوات تحليل البيانات الذكية، لتظل القصص العربية تصل إلى القارئ بأشكالها المتعددة وتستمر في إلهام الأجيال القادمة.





