الخليج يرفض رهان إيران بعد سلسلة الهجمات: «ثق لكن تحقق»

زيارة عُمان ومحاولة طهران لكسر العزلة
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وصلوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط العاصمة العُمانية في جولة دبلوماسية تهدف إلى استعادة علاقات طهران مع دول الخليج. اللقاء تم في صباح يوم الأحد الموافق 26 أبريل/نيسان 2026، بحضورالسلطان هيثم بن طارق، حيث تطرق الطرفان إلى مستجدات الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
عُمان، التي تلعب دوراً حيوياً كدولة مشاطئة لمضيق هرمز، سعت إلى إبراز التزامها بحرية الملاحة في الممر المائي، معتبرةً أن أي محاولة إيرانية لفرض ترتيبات أحادية في المضيق ستواجه معارضة قوية من دول الخليج. وقد أكدت هذه المواقف أنالعُمان تسعى لتكون وسيطاً إقليمياً مستقلاً، بعيداً عن الانخراط المباشر في الصراع بين طهران والولايات المتحدة.
هجمات إيرانية تضع الثقة تحت الاختبار
منذ 28 فبراير/شباط 2026، شنتإيران سلسلة من الهجمات المتزامنة على بنى تحتية مدنية واقتصادية فيخمسة دول خليجية، شملت إطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب هجمات جوية استهدفت محطات طاقة وموانئ وشبكات نقل. أسفرت هذه العملية عن أضرار مادية واسعة، وتعطيل كبير في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات، ما أدى إلى خسائر اقتصادية فادحة في دول الخليج.
هذه الهجمات جاءت كرد فعل إيراني على الضربات التي نفذتها القوات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، مما زاد من حدة الشكوك حول نوايا طهران ومصداقية وعودها الأمنية. وقد وصفالباحث هشام الغنام، المتخصص في معهد كارنيغي للسلام الدولي، هذه الهجمات بأنها "إعلان واضح عن عدم القدرة على الالتزام بوعود الثقة"، مشيراً إلى أن إيران ما زالت تعتمد علىوكلائها في المنطقة ولا تقدم ضمانات ملموسة بشأن برامجها التسليحية والنووية.
ردود فعل الخليج وتقييم الثقة
عبرصالح المطيري، رئيس مركز المدار للدراسات السياسية، أن الخلافات الأخيرة أكدت على أن الخليج يعيش حالة من "تحطم الثقة" الكاملة، مستشهداً بعبارة الرئيس الأمريكي الأسبقرونالد ريغان: «ثق لكن تحقق». وأوضح المطيري أن المبادرات الإيرانية، وإن بدت جذابة نظرياً، تصطدم بواقع عملي مرير يفرض على دول الخليج تبني موقف حذر ومتوازن.
المطيري أضاف أنالحياد المبالغ فيه لم يعد خياراً واقعياً، داعياً إلى بناء مقاربة أمنية إقليمية متكاملة تعتمد علىالتعاون الجماعي مع الشركاء الدوليين، مع تجنب الوقوع كـ«هدف سهل» أمام الطموحات الإيرانية. كما شدد على ضرورة استغلال القدرة التأثيرية للعواصم الخليجية على واشنطن لضمان دعم استراتيجي متين.
تحليل الخبراء: بين الأمل والواقعية
أوضحهشام الغنام أن مقترح عراقجي المتعلق بـ«أمن إقليمي جماعي» هو تصور يوتوبي بعيد عن الواقع، حيث لا توجد آليات موثوقة لتطبيقه في ظل البيئة الأمنية المتقلبة. وأكد أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع طهران هيعدم الاستسلام للضغط وتكثيف الجهود الدبلوماسية مع حلفاء موثوقين.
من ناحية أخرى، أشار المطيري إلى أنالصين تلعب دوراً متصاعداً في المنطقة، حيث يُنظر إلى موقفها تجاه إيران على أنه «غامض ومصطف»، ما يزيد من تعقيد الموازين الجيوسياسية. وقد دعا الخبراء إلى مراقبة تحركات بكين عن كثب لتقييم مدى تأثيرها على سياسات الخليج المستقبلية.
التداعيات الإقليمية والاستراتيجية
تُظهر سلسلة الهجمات الأخيرة أن دول الخليج أمامانعطافة استراتيجية حاسمة، حيث سعت إلى إعادة تعريف مفهوم «العدو الدائم» وتقييم تحالفاتها الدولية. وفي ظل الخسائر الاقتصادية الكبيرة، تسعى دول الخليج إلى تنويع مصادر الأمن والطاقة، مع تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية.
كما أنالولايات المتحدة لا تزال تلعب دوراً محورياً في دعم الأمن الخليجي، إلا أن الاعتماد المتزايد على القدرات الذاتية يعكس رغبة دول الخليج في تحقيقاستقلالية أمنية أكبر. وفي الوقت نفسه، يبقى السؤال حول ما إذا كان بإمكان طهران أن تقدمضمانات حقيقية تلبي مخاوف الجيران وتعيد بناء الثقة المتكسرة.
المستقبل القريب: مسار دبلوماسي أم تصعيد عسكري؟
مع استمرار القنوات الدبلوماسية بين طهران وعُمان، من المتوقع أن تستمر محاولات طهران للحصول على دعم خليجي أو على الأقلالحياد النشط في القضايا الإقليمية. إلا أنالضغوط الاقتصادية الناجمة عن الهجمات الأخيرة قد تدفع دول الخليج إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة، وربما تعزيز التحالفات معالولايات المتحدة والدول الأوروبية لضمان استقرار المنطقة.
في الختام، يبقى ما سيقررهقادة الخليج في الأسابيع المقبلة هو المفتاح لتحديد ما إذا كانت العلاقات مع إيران ستستعيد أيّاً من الثقة المتبادلة، أم ستستمر في مسار الانفصال المتعمق. إن أي خطوة نحوتحقق الوعود ستحتاج إلى مراقبة دقيقة وتدابير رد فعل سريعة لضمان عدم تكرار ما شهدته المنطقة من تصعيدات سلاحیة في الأشهر الأخيرة.











