النازحون في السودان يروون مآسي الهروب عبر مسارات الموت

في قلب حرب تتوسع رقعتها وتزداد فظاظتها، يروي النازحون في السودان قصصا مؤلمة عن رحلات الهروب عبر مسارات الموت. بينما يتشنَّق المدنيون بين نار جيش السودان ونار قوات الدعم السريع، يتحول كل تجوال إلى معركة للبقاء، وكل قرية إلى حقل مفخخ بالموت. في أبريل/نيسان 2023، اندلع الصراع بين الطرفين، مدمرا المدن وتحويلها إلى أماكن غير آمنة حتى للبقاء.
هروب الأعمى بين لهيب الحرب
شيراز يوسف، التي فقدت سمعها خلال القتال، تروي كيف شاهدت حياة الخرطوم تُدمر أمام عينيها. لم تسمع صوت الانفجارات، لكن ألسنة النيران المتصاعدة ووجوه الخوف التي تجوب الشوارع والجثث المتناثرة في الأزقة كانت كافية لتدمير إنسانيتها. تقول: "كانت أمي تجرني إلى الأمام وتقول لي: 'لا تنظر إلى الخلف'، لكن المشاهد تلاحقني في كل خطوة". اليوم، تقيم شيراز في مدرسة قديمة في كسلا، التي تحولت إلى مأوى للعشرات من العائلات. في تلك الليالي المظلمة، يسيطر الخوف على الأرواح، خوف من أن يظهر خطر ما دون إدراك.
دارفور: ميدان الموت والتشريد
المنطقة الأكثر تضررا، بلا شك، هي دارفور، حيث شنت قوات الدعم السريع حملة عسالية أفقدت السكان مصادر عيشهم وأجبرتهم على الفرار. في الفاشر، عاصمة الإقليم، يروي الناجون كيف تحولت المدن إلى بركان من الموت. تشير التقارير إلى حصار طويل فرضته قوات الدعم السريع، مع انقطاع الخدمات الأساسية واندلاع المعارك. في هذه المدن، تصبح الطريق إلى الحرية طريقا إلى الموت. المدنيون في هذه المناطق يغادرون منازلهم تحت تهديد السلاح، بينما يعاني الآخرون من النهب أو الاغتصاب أو الاعتقال.
شاب يبلغ من العمر 19 عاما يصف رحلته من الفاشر: "تم احتجازي مع مئات الآخرين في مبانٍ مكتظة، حيث تفشت الجوع والعطش والخوف". يضيف: "كان علينا جر الجثث من الطرقات أو نقلها على ظهور الحمير. الموت لم يكن مجرد احتمال - كان حقيقة يومية".
نساء ورجال في معركة البقاء
في دارفور، تتحول الرحلة الهاربة إلى معركة مع العنف. نساء ينفدن من قراهن تحت وطأة قوات الدعم السريع، حيث يواجهن العنف بكل أشكاله. إحدى الناجيات، تصف رحلة هروبها: "أنا ضربت وسرقت، ثم تعرضت لانتهاكات جسيمة خلال السفر". بالنسبة لها، لم تنته الحرب مع مغادرة المدينة، بل بدأت بشكل آخر - في الطريق إلى ما يُفترض أنه الأمان.
مستشفيات تتحول إلى جحيم
الوضع الصحي في الإقليم لا يُقلل من حدة المأساة. المستشفيات التي كانت تُعتبر برج أمان تحولت إلى بؤر نزاع. بعضها اقتحم من قبل المسلحين، والكثير منه أصبح خارج الخدمة. الأطباء يعملون في أقبية أو مبانٍ بديلة، بينما تصل حالات الجرحى متأخرة، غالبا مع إصابات خطيرة تهدد الأرواح.
الحياة في مخيمات اللجوء
في مخيمات النزوح، تتفاقم الأزمات. الاكتظاظ ونقص المياه النظيفة والطعام يزيدان من هشاشة الحياة. الحرائق المتكررة تهدد بحرمان العائلات من مأوى، بينما يبقى أثر الحرب واضحا في كل تفصيل من تفاصيل اليوم. ومع كل هذا، يحاول البعض استكمال ما تبقى من حياة طبيعية. شيراز في كسلا بدأت تتعلم القراءة من جديد. تقول: "أي لحظة من الفرح تمنحني شعورا مؤقتا بأن الحياة لم تُمحَ بالكامل".
الحرب ليست مجرد انقطاع للكهرباء
لكن الخوف هو الحاضر الأكبر. بالنسبة للنازحين، ليست المأساة فقط فيما حدث، بل فيما قد يعود للحدوث. فحتى بعد الابتعاد عن خطوط القتال، يبقى شعور الخوف حاضرا. الحرب لم تترك فقط مدنا مدمرة، بل تركت شعورا عميقا بأن الاستقرار نفسه فكرة مؤقتة. في بلد أنهكته الحرب، تبدو هذه القصص الفردية هي الوجه الحقيقي للأزمة: مدنيون عالقون بين أطراف القتال، يحاولون النجاة وسط واقع يتغير باستمرار، دون ضمان بأن الغد سيكون بديلا عن اليوم.











