الهدنة في جنوب لبنان بين الدبلوماسية والواقع الميداني: ما تعنيه فعليًا

الهدنة في جنوب لبنان بين النصوص الدبلوماسية والواقع الميداني
في ساحة جنوب لبنان، حيث تتقاطع أصوات الدبلوماسية مع أصوات القصف، تستمرالهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في17 أبريل/نيسان وتم تمديدها لمدة45 يوماً في اختبار عملي معقد. تُظهر التقارير الميدانية أن وقف إطلاق النار لم يحقق توقفًا شاملاً للعمليات القتالية، بل أصبح إطارًا لإدارة تصعيد عسكري متقلب بينإسرائيل وحزب الله.
الإطار القانوني للوقف المؤقت
حسب القانون الدولي، يُعرّف وقف إطلاق النار بأنه تعليق مؤقت للأعمال القتالية يهدف إلى حماية المدنيين وتوفير بيئة ملائمة للتفاوض. تُستند هذه الصياغة إلىاتفاقيات لاهاي ومبادئ الحرب البرية، حيث يُفترض أن تُحدّ من جميع الهجمات وتُؤمّن مناطق سكنية من الدمار. إلا أن التطبيق على أرض الواقع يُظهر فجوة واضحة بين النص القانوني والواقع الميداني، حيث تستمر الضربات الجوية والمدفعية في مدن مثلصور وصيدا والنبطية وبنت جبيل.
الموقف الإسرائيلي وإعادة تنظيم العمليات
في القراءة الإسرائيلية، لا تُعد الهدنة إيقافًا كاملاً للعمليات، بل فرصة لإعادة تنظيمها ضمن «سقف سياسي وأمني» يتيح للجيش الإسرائيلي الاستمرار في «إحباط التهديدات». تصريحات صحفية في صحيفةإسرائيل هيوم تشير إلى أن التمديد يُفهم كمنح وقت إضافي من الإدارة الأمريكية لاستمرار الضربات ضدحزب الله، وهو نمط يُطبق حاليًا في قطاعغزة أيضًا.
كما أعلن رئيس الوزراءبنيامين نتنياهو لوزراء حكومته بقاء القوات الإسرائيلية في المناطق التي احتلتها بجنوب لبنان طوال فترة الهدنة، مؤكدًا أن «الوجود العسكري سيستمر لضمان الأمن القومي». هذا الموقف يعكس استراتيجية تل أبيب التي تسعى إلى عزلالدولة اللبنانية عنحزب الله وإجبارها على اتخاذ خطوات نزع السلاح.
دورالولايات المتحدة وتوجهاتها
تتعاملالولايات المتحدة مع الهدنة كأداة لإدارة النزاع وليس كحل نهائي. تُصاغ التفاهمات عادةً بما يتيح لإسرائيل التحرك تحت بند «الدفاع عن النفس» مع الحفاظ على مسار سياسي تدريجي. يُنظر إلى تمديد الهدنة المتكرر كآلية لخفض حدة التصعيد دون فرض توقف كامل للعمليات، ما يخلق مساحة زمنية لإعادة توزيع القوة على الأرض.
المراقبون يرون أن واشنطن تدفع الحكومة اللبنانية نحو نزع سلاححزب الله، في حين تُحافظ على الوضع القائم في الجنوب دون تغيير جذري في الوجود الإسرائيلي. هذا النهج يُظهر سياسة إدارة التوازنات القائمة أكثر من السعي إلى إعادة صياغتها بشكل نهائي.
رد فعلحزب الله والضحايا المدنيون
يُصوِّرحزب الله نفسه كـ«حركة مقاومة» ضد الاحتلال الإسرائيلي المستمر في جنوب لبنان، مؤكدًا أن سلاحه لا يمكن التخلي عنه. وفي الوقت نفسه، تسجل الوكالات الإعلامية اللبنانية وقوعسبعة قتلى وستة جرحى في يومٍ واحد نتيجة ما يقاربمئة هجوم إسرائيلي على أراضي لبنان.
الضربات اليومية تشمل غارات جوية، قصف مدفعي، واستخدام طائرات مسيرة، ما أدى إلى تدمير منازل وبنى سكنية وإصابة مدنيين. بالمقابل، يردحزب الله بطائرات مسيرة مستهدفة ما يصفه بـ«معادلة استنزاف متبادل»، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
التحديات المستقبلية وإمكانية التحول إلى تهدئة شاملة
يبقى مستقبلالهدنة في جنوب لبنان رهينًا بتوازنات ميدانية وسياسية متحركة. فالوقف المؤقت يتحول إلى مساحة زمنية لإعادة توزيع القوة بدلاً من لحظة توقف نهائي. إذا استمرت الضربات اليومية وتفاقمت الخسائر المدنية، قد يتجه الطرفان إلى تصعيد أشمل.
على الجانب الآخر، قد تُسهم الضغوط الدولية، خصوصًا منالولايات المتحدة والجهات الإقليمية، في دفع الأطراف إلى مفاوضات أعمق قد تُفضي إلى تهدئة أوسع أو حتى اتفاق سلام شامل. ما يزال السؤال قائمًا: هل ستظلالهدنة مجرد أداة إدارية أم ستتحول إلى خطوة حقيقية نحو إنهاء الصراع في جنوب لبنان؟
المستقبل يحمل في طياته فرصًا وتحديات؛ فاستمرار الضربات قد يدفع إلى تصعيد أكبر، بينما قد تُحدث الضغوط الدبلوماسية تحولًا نحو تهدئة مستدامة تُعيد للمنطقة هدوءها المفقود.





