فريدمان: الصراع بين "الكوشنرية" و"الخمينية" يحدد مآلات الاتفاق الأمريكي الإيراني

مقدمة
يرى الكاتب الأمريكيتوماس فريدمان أن جوهر المفاوضات الجارية بينأمريكا وإيران لا يتعلق فقط بالملف النووي أو ترتيبات وقف إطلاق النار، بل بصراع أعمق بين رؤيتين متناقضتين لمستقبلالشرق الأوسط، يصفهما بـ"الكوشنرية" و"الخمينية" في إشارة إلىجاريد كوشنر صهر الرئيسدونالد ترمب ومؤسسالجمهورية الإسلامية الإيرانية آية اللهالخميني.
خلفية الصراع
ويعتقدفريدمان أن هذه المواجهة الفكرية والسياسية ستحدد مآلات الاتفاق الأمريكي الإيراني أكثر مما ستفعل التفاصيل التقنية المتعلقة بالتخصيب أو الرقابة النووية. ويشير إلى أن الرئيس الأمريكيدونالد ترمب لم يُنهِ الحرب معإيران بسبب نجاح عسكري أو اختراق دبلوماسي، بل نتيجة ضغوط اقتصادية وسياسية داخلية. ويستشهد بارتفاع أسعارالنفط والوقود الذي شكّل عاملا حاسما في قرار وقف التصعيد، إذ كانترمب يخشى انعكاسات استمرار الحرب على انتخابات التجديد النصفي وعلى حظوظالجمهوريين في ولايات متأرجحة مثلميشيغان وبنسلفانيا وجورجيا.
رؤية كوشنر و الخميني
ويوضحفريدمان أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار تسمح بإعادة فتحمضيق هرمز واستئناف صادراتالنفط الإيرانية، بينما تبقى القضايا الجوهرية، وعلى رأسها مصيرالمواد الانشطارية القريبة من مستوى تصنيعالسلاح النووي، موضع خلاف. ويعتبر أنترمب احتاج إلى خفض أسعارالطاقة سريعا لتجنب تداعيات اقتصادية قد تهدد مستقبله السياسي.
تحليل الوضع
ويحذرفريدمان من المبالغة في تفسير التصريحات العلنية الصادرة عن مختلف الأطراف، مستشهداً بخبرته الطويلة في المنطقة، إذ يقول إن "الحقيقة فيالشرق الأوسط تُقال غالبا باللغة المحلية وفي العلن، لا في اللقاءات الخاصة". ويضرب مثلاً بالتباين بين تصريحات نائب الرئيسجيه دي فانس حول قبولإيران بعودة مفتشيالوكالة الدولية للطاقة الذرية، والنفي الإيراني العلني لهذا الأمر.
مستقبل المفاوضات
ويرىفريدمان أن الأطراف الرئيسية تنطلق من حسابات متناقضة؛ فترمب يحتاج إلى إنهاء الحرب لأسباب سياسية داخلية، بينما يجد رئيس الوزراءالإسرائيليبنيامين نتنياهو مصلحة في استمرارها لأنها تؤجل الاستحقاقات السياسية والقضائية التي تنتظره داخلإسرائيل. وأما فيإيران، فيعتقد الكاتب أن هناك انقساما بينالحرس الثوري الذي يستفيد من التوتر المستمر، وبين جيل سياسي جديد قد يرى في التسوية فرصة لإعادة بناءالاقتصاد والعلاقات الخارجية.
الصراع بين الكوشنرية والخمينية
لكن جوهر تحليلفريدمان يتمحور حول ما يسميه الصراع بين "الكوشنرية" و"الخمينية". فالأولى، المنسوبة إلىجاريد كوشنر صهرترمب، تقوم على فكرة أنالتنمية الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية والازدهار العمراني يمكن أن تتجاوز صراعاتالتاريخ والهويات والأيديولوجيات. ويستشهد برؤيةكوشنر لإعادة إعمارغزة وتحويلها إلى مركز سياحي واستثماري يضم أبراجاً سكنية ومجمعات صناعية ومراكز بيانات.
الخمينية واقتصاد إيران
في المقابل، تمثل "الخمينية" الإرث الفكري للخميني، الذي قال بعد الثورة: "لم نقم بهذه الثورة لخفض أسعارالبطيخ". ويعتبرفريدمان أن هذه العبارة تلخص إيمان النظام الإيراني بأن المشروع الأيديولوجي والديني يتقدم على الاعتبارات الاقتصادية، وأن هدفه لا يقتصر على تحسين الظروف المعيشية بل يشمل نشر نموذج سياسي وديني في المنطقة.
مستقبل الشرق الأوسط
ويقولفريدمان إن السؤال الحقيقي اليوم هو: هل سينجحترمب في دفع القيادة الإيرانية الجديدة نحو تبني منطق "الكوشنرية"، أم إن "الخمينية" ستبقى القوة المهيمنة؟ وفي سياق انتقاداته لترمب، يصففريدمان الحرب بأنها "حرب بلا مناقصة"، في إشارة إلى اعتمادترمب على تقديراتنتنياهو وجهازالموساد بشأن إمكانية إسقاط النظام الإيراني وإشعال انتفاضة شعبية، دون الاستناد بشكل كاف إلى مؤسسات الدولة الأمريكية وأجهزتها الاستخبارية.
تحديات المستقبل
ويعربفريدمان عن قلقه من ربط فتحمضيق هرمز بمصيرحزب الله فيلبنان، معتبراً أن هذا يمنحإيران ورقة ضغط مستمرة في أي مواجهة مستقبلية. ويرى أناللبنانيين هم من سيدفعون ثمن هذا الربط، في وقت يتطلع فيه كثير منهم إلى الخروج من دوامة الصراعات الإقليمية. وعند المقارنة بين الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبقباراك أوباما وبين المسار الحالي، يدافعفريدمان عن مقاربةأوباما التي ركزت على منعإيران من امتلاك سلاح نووي عبر منظومة تفتيش صارمة، واصفاإيران بأنها "مشكلة مستعصية" لا يمكن حلها بسهولة أو بشعارات القوة وحدها.
الاستقبالات المستقبلية
ورغم انتقاداته الحادة لترمب وإدارته، يؤكدفريدمان أنه لا يتمنى فشل المفاوضات، بل يأمل أن تؤدي في النهاية إلى إصلاح النظام الإيراني أو تغييره بصورة تفتح الباب أمامشرق أوسط أكثر استقرارا. لكنه يشكك في قدرة فريقترمب على إنجاز مهمة بهذا الحجم، بسبب ما يراه افتقاراً للخبرة والتماسك المؤسسي. وختاماً، يعتقدفريدمان أن المنطقة أصبحت تعج بعدد كبير من اللاعبين المسلحين والمتنافسين، منإسرائيل وحزب الله إلىالميليشيات العراقية واليمنية والحرس الثوري الإيراني، ما يجعل إدارة الأزمة الحالية بالغة التعقيد. ويلفت إلى أن السؤال لم يعد فقط كيف تبدأ الحروب أو كيف تنتهي، بل من سيتولى ضبط الفوضى التي تتركها وراءها. ففي نظره، كُسر الكثير فيالشرق الأوسط، ولا يبدو أن هناك اليوم من يملك القدرة أو الصبر الكافيين لإصلاحه.





