مقابر جنوب لبنان تتحول إلى أثر حرب: القصف يصل إلى الموتى

الحرب تصل إلى المقابر
في ليلة مظلمة من شهر مارس الماضي، لم يكنحسن حلال يتوقع أن تتحول حياته إلى جحيم، حين سمع أخبارًا عن غارات إسرائيلية واسعة على بيروت والجنوب والبقاع. لم يكن يعلم أن هذه الحرب ستترك أثرًا لا يمحى على حياته، خاصة عندما فقد ابنتهنرجس في الخامسة من عمرها.
البحث عن القبر
بعد أشهر من البحث، يصل حسن إلى مقبرة بلدةميفدون، حيث يجد قبر ابنته وقد تصدعت شواهدها وتحولت إلى ركام. يمسح الأرض بيده ببطء، ويزيح غصن شجرة يابس سقط على الشاهد، ثم يقف صامتا. لا دعاء يخرج، ولا بكاء واضح، وحده الصمت يبدو اللغة الوحيدة الممكنة أمام ما لا يُقال.
المقابر تحت النار
في قرى الجنوب، لم تكن مقبرةميفدون حالة منفردة، فالغارات والانفجارات طالت عددًا من المقابر، فتصدعت شواهدها، وانهارت أضرحتها، واختلط الركام بالأزهار اليابسة التي تركها الأهالي في زياراتهم الأخيرة. في مشهد يتكرر بصمت، كان بعض السكان يعودون أولًا إلى المقابر قبل البيوت، كأن الاطمئنان على قبور موتاهم أكثر أهمية من البحث عن مصير منازلهم.
الأضرار والتداعيات
وثّقت تقارير حقوقية وصحفية لبنانية أضرارًا لحقت بمقابر في بلدات متعددة في جنوب وشرق لبنان، من بينهايحمر الشقيف، ودير قانون النهر، وبرج قلاوية، وشمسطار، والنبي شيت، إضافة إلى قرى أخرى امتدت إليها الغارات وأعمال التجريف. ولا تقتصر هذه الأضرار على القرى الحدودية، بل تمتد إلى عمق الجنوب والبقاع، حيث طالت عمليات القصف والتجريف مقابر ومواقع دينية.
الموتى لا يخافون القصف
يقول رجل في بلدةبرج قلاوية، إن الموتى لا يخافون القصف، لكن الأحياء يحتاجون إلى مكان يزورون فيه من رحلوا، ليبقوا على صلة بما تبقى منهم. في زاوية أخرى، تنحني امرأة مسنة فوق شاهد قبر زوجها، ترفع قطعة رخام انفصلت عن موضعها، تمسح الغبار بطرف وشاحها، ثم تعيدها إلى مكانها بعناية، كأنها تعتذر له لأن الحرب وصلت إليه أيضًا.
المساءلة القانونية
تشير مقاربة حقوقية إلى أن المقابر تُصنّف ضمن الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني، شأنها شأن دور العبادة والمواقع الثقافية، ويحظر استهدافها أو إلحاق الضرر بها إلا في حالات الاستخدام العسكري المباشر، ما يجعل ما سُجّل في عدد من الحالات موضع مساءلة قانونية وأخلاقية وفق تقارير حقوقية متعددة.
الواقع أكثر قسوة
لكن على الأرض، تبدو النصوص القانونية بعيدة عن المشهد، فيما الواقع أكثر قسوة: حجارة متناثرة، وشواهد مكسورة، وأسماء موتى مشوهة، وأهالٍ يحاولون ترميم علاقة لا تنفصم بسهولة بين الحياة والموت. في المحصلة، لا تبدو المقابر مجرد أماكن للدفن بل خرائط صغيرة للذاكرة، وحين تطالها الحرب، لا يتصدع الحجر فقط، بل تهتز أيضًا فكرة الطمأنينة ذاتها.











