---
slug: "qkbft4"
title: "الإبداع يتحول إلى طعام الروح.. عزت القمحاوي يجتاز إلى أعماق الكتابة"
excerpt: "يعتبر كتاب عزت القمحاوي \"الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر\" تجربة فكرية وأدبية تعيد اكتشاف معنى الإبداع بوصفه فعلًا يوميًا متجذرًا في تفاصيل العيش، حيث يكشف الكتابة كطريقة لرؤية العالم، تتحول فيها التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لفهم أعمق للحياة."
category: "general"
imageUrl: "https://cdn.hatrek.co/imgs/e6d44a8c1e2e15c3.webp"
readTime: 4
---

يقدم الكاتب المصري عزت القمحاوي في كتابه الجديد "الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر" سيرة فكرية تتقاطع بين عالمي الكتابة والطهي. يستكشف العمل كيف يتحول الإبداع إلى تجربة حسية تُطهى على نار التجارب.

يبدو كتاب عزت القمحاوي "الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر" كتابةً عابرةً للأجناس، عصيّةً على التصنيف، وفي تقاطع نادر بين الحواس واللغة. ينبثق النص بوصفها فعلًا حيًا يسير ببطء إلى جوار الإبداع في مطبخ الحياة، حيث تتجاور التأملات مع الإحساس، وتُعاد صياغة اللغة والأزمنة في نصوص تُطهى على نار التجارب الهادئة وتُقرأ بشهية الروح.

يقوم الكتاب على فكرة تبدو للوهلة الأولى طريفة وغريبة، لكنها سرعان ما تنكشف بوصفها مشروعًا فكريًا متماسكًا، يعقد صلة بين عالمين يبدوان متباعدين: الكتابة والطهي. يبني الكتاب علاقة عميقة تجعل من المطبخ امتدادًا للورقة، ومن الحكاية امتدادًا للرائحة، ومن الحواس مدخلًا لفهم اللغة ذاتها.

يفتح النص على عالم الطفولة حيث تختلط روائح الطعام بأصوات الحكايات، فتتشكل في الذاكرة الأولى بنية مركّبة تذيب الفاصل بين ما يُعاش وما يُروى. وتأتي هذه العودة بوصفها تأسيسًا لرؤية ترى أن الإبداع يولد من تلك المنطقة الهشّة بين التجربة والذاكرة، وفي هذا السياق يستعيد القمحاوي لحظة مفصلية في تجربته حين يقول: "اكتشفت أن الكتابة والطبخ توأم أشرق على روحي في لحظة واحدة، ومنذ تلك اللحظة لم يعد أيّ منهما منفصلًا عن الآخر في تجربتي، بل صارا معًا أساسًا لفهمي للحياة والإبداع".

تتسع هذه الفكرة لتعيد تعريف الإبداع باعتباره تجربة إنسانية مركّبة تتداخل فيها المعرفة مع الحس والتقنية مع الحدس والذات مع الآخر. والطبخ، كما يقدّمه فعل علاقة ووسيلة تواصل وأداة لبناء الروابط داخل المجتمع.

من هذا المنظور يكتسب الجمع بين الطعام والحكاية بعدًا يتجاوز الفردي إلى أفق ثقافي أوسع، حيث "سيظل وقت الطبخ وتناول الطعام وقتًا للحكاية، وسيظلان معًا من أهم مقومات التماسك الاجتماعي لدى أي جماعة بشرية". ويكتشف القارئ هذا النظام الرمزي والتوظيف الذكي للعبة المتناقضات التي تجعل من المائدة فضاءً للسرد، ومن السرد وسيلة لإشباع الحاجة إلى المعنى، في توازٍ دقيق بين غذاء الجسد وغذاء الخيال والروح.

يبرز مفهوم النضج بوصفه معيارًا نقديًا أساسيًا في هذا السياق، حيث يُقاس العمل الأدبي بقدرته على التحوّل عبر الزمن. ويبرز أيضًا حكم النص على وظيفته بوصفه أداة لفهم بنية النص وتعقيداته، ويكون هذا الإدراك غاية في النضج عندما يغدو النص أداة لفهم بنية النص وتعقيداته، ويكون ذلك نتيجة لتحقيق التوازن بين العمل الإبداعي وبين المعرفة التقنية والحدس.

تتسع هذه الرؤية لتشمل تجارب إبداعية عالمية كبرى، حيث يستحضر القمحاوي نماذج مثل نجيب محفوظ وخورخي لويس بورخيس ومارسيل بروست، الذين نجحوا في تحويل تجاربهم الفردية إلى نصوص تمس الإنسان في كل مكان، وتعيد تشكيل وعيه بالعالم، كما يستحضر القمحاوي بالتوازي كبار الطهاة مثل امبريل لاجاسي وجيمي أوليفر ونادية حسين.

يبرز الحدس بوصفه العنصر الأكثر حساسية وحسمًا في هذا السياق، حيث يتطلب الإبداع حدسًا مرهفًا لالتقاط لحظة النضج. ويعيد عزت القمحاوي النظر في مفهوم الإلهام، فيراه تبسيطًا مخلًا لتجربة معقدة، ويؤكد أن الإبداع ثمرة تراكم طويل من الشغف والخبرة والجهد، ويتعزز هذا التصور برؤيته للواقعية، حيث يمنح القيمة للأدب القادر على إعادة تشكيل الواقع وابتكاره وليس استنساخه حرفيا.

يحمل عنوان الكتاب مفارقة صادمة، تفتح باب التأمل في طبيعة الخلق الفني. ويكشف القمحاوي من خلالها أن الإبداع، في جوهره، فعل تحويل جذري ينطوي على قدر من الفقد، بل هو في الأساس يقوم على ثقافة نكران الذات. والطاهي، وفق هذه الرؤية، يمارس فعلًا يقوم على تفكيك الكائن الحي وإعادة تركيبه داخل بنية جديدة، في عملية تُحوّل الحياة إلى شكل آخر.

ويستحضر القمحاوي بالتوازي كبار الطهاة مثل امبريل لاجاسي وجيمي أوليفر ونادية حسين، ولكنه يعود دائما إلى مطبخ العظمة وتميمة التمائم "ألف ليلة وليلة". في المحصلة، يقدّم كتاب "الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر" تجربة فكرية وأدبية تعيد اكتشاف معنى الإبداع بوصفه فعلًا يوميًا متجذرًا في تفاصيل العيش.

ويغدو النص متقنًا، كوجبة متوازنة، يُعاد اكتشافه وتذوقه مع كل قراءة، ويظل مفتوحًا على تأويلات متعددة، تمامًا كما تظل الحياة، في عمقها، نصًا قابلًا للقراءة مع كل فجر تجربة تبزغ من جديد.
