صراع السلطة بين الحرس الثوري والساسة على صنع القرار في طهران

صراع السلطة داخل طهران يتصاعد بعد الضربة الإسرائيلية
في ظل توتر العلاقات الإقليمية وتفاقم الصراع في أفغانستان، شهدتإيران مؤخراً سلسلة من الاغتيالات والهجمات التي استهدفت قادة عسكريين وسياسيين على حد سواء. وفقاً لتقرير أعدته الصحفيةسلام خضر للوكالة الإخبارية، بدأت الأزمة بضربة جوية إسرائيليّة استهدفت مجمعاً فيطهران كان من المفترض أن يجتمع فيه كبار القادة، بمن فيهمالمرشد السابق علي خامنئي، ما أسفر عن مقتل نحوأربعين من القيادات السياسية والأمنية والعسكرية. وقد هدفت العملية إلى شل آليات اتخاذ القرار على جميع المستويات، بدءاً منالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي.
الاغتيالات المتسلسلة تعيد تشكيل مراكز القوة
توالت الأحداث لتشمل اغتيالأمين مجلس الدفاع علي شمخاني، ورئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، وقائد الحرس الثوري محمد باقرب ذو القدر. في خضم هذه الفوضى، عُينمجتبى خامنئي كمرشد أعلى جديد، بينما تولىأحمد وحيدي قيادة الحرس الثوري بالإنابة. كما تم انتدابمحمد باقرب ذو القدر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، في محاولة لتغطية الفجوات التي خلفتها الخسائر.
المناصب الشاغرة وتحديات القيادة
رغم هذه التعيينات، لا يزال عدد من المناصب الحيوية شاغراً. أبرزهامنصب رئاسة الأركان في الجيش الذي لم يُملأ بعد، ما يضيف عبئاً إضافياً علىعلي أكبر أحمديان الذي يشغل رئاسة مجلس الدفاع، ومجيد ابن الرضا الذي يدير وزارة الدفاع بالإنابة. هذه الفجوات تضعف القدرة على تنسيق الجهود بين الحرس الثوري والجيش التقليدي.
الوفد المفاوض إلى إسلام آباد وتداخل الأدوار
في سياق متصل، يترأس وفد المفاوضات معإسلام آباد رئيس البرلمانمحمد باقر قاليباف، ويضم إلى جانبهوزير الخارجية عباس عراقجي والقائد بالإنابة للحرس الثوري علي أكبر أحمديان. حضور أحمديان في الجولة الأولى من المفاوضات يعكس مدى تدخل الحرس الثوري في الشأن الدبلوماسي، وهو ما يستدعي تدقيقاً دقيقاً للبيانات التي تنشرها الصحف الأمريكية حول وجود انقسام داخل القيادة الإيرانية.
تاريخ الحرس الثوري ودوره في صناعة القرار
تأسسالحرس الثوري في 22 أبريل/نيسان 1979 بمرسوم منالمرشد الأعلى الأسبق آية الله الخميني، ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمه بمفهوم «الوصاية على الثورة». وفق المادة 150 من الدستور الإيراني، يُعَدّ الحرس الوصي على إنجازات الثورة، ويتألف من كيانين رئيسيين:قوة «البسيج» شبه العسكرية التي تضمن الأمن الداخلي، وفيلق القدس المسؤول عن العمليات خارج الحدود. تُقَدّر عوائد الأذرع الاقتصادية للحرس بأكثر مناثني عشر مليار دولار سنوياً، وفقاً لتقارير صحفية دولية، ما يفسّر العقوبات الغربية المتكررة التي تستهدف قياداته ومؤسساته.
آليات التنسيق بين الحرس والجيش
تُشرفهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة على التنسيق بين الحرس الثوري والجيش التقليدي، بينما تتولىهيئة مقر خاتم الأنبياء المركزي مهمة التنسيق العملياتي بين الطرفين. إلا أن الفجوة بين الهيكلين الإداريين تظل واضحة، خاصة في ظل الصراعات الداخلية على السلطة.
تحليل أكاديمي: ثلاثة عوامل تؤثر على اتخاذ القرار
أشار الأكاديمي المتخصص في سياسات الشرق الأوسطالدكتور محجوب الزويري إلى أن عملية اتخاذ القرار داخلإيران تتشكل تحت تأثير ثلاثة عوامل استراتيجية:طبيعة الأشخاص الذين يشغلون المناصب،السياق السياسي المتقلب، والسياق الدولي والجيوسياسي المتشابك. وفي الوقت الراهن، تتعرض هذه العوامل للخلل نتيجة للاغتيالات المتلاحقة والضغوط الخارجية.
يؤكد الزويري أن التفكير الاستراتيجي في طهران يتركز حول هدف أساسي هو «البقاء»، وهو ما يفسر الاعتماد المتزايد علىالحرس الثوري كقوة دفاعية داخلية وخارجية. ومع ذلك، يرى أنالمرشد الحالي، الذي ينحدر من خلفية عسكرية وأمنية ويتعامل مع استخبارات الحرس، يفتقر إلى القدرة على «ضبط الإيقاع» بين الفصائل المتنازعة داخل النظام.
ضعف الوسطاء وتفاقم الانقسام
بالإضافة إلى ذلك، أشار الزويري إلى أنمحمد باقرب ذو القدر يمتلك قدرة أقل من سلفهعلي لاريجاني على التوسط بين الحرس الثوري والقيادة السياسية، نظراً لافتقاره إلى الشخصية الكاريزمية التي كان يتمتع بها لاريجاني. هذا الضعف يفاقم من حالة التردد لدى القادة الجدد عند اتخاذ قرارات مصيرية، خاصة في ظل تصريحات متضاربة من قبل مسؤولين دوليين مثل الرئيس الأمريكي السابقترامب التي تُعطي انطباعاً عن انقسام إيراني عميق.
المستقبل وتحديات اتخاذ القرار
في خضم هذه الأزمة، يظل السؤال الأكبر هو من سيستطيع في النهاية «ضبط إيقاع القرار» داخلطهران. إن غياب شخصية قيادية موحدة قد يؤدي إلى مزيد من التردد والجمود في سياسات الأمن والدفاع، ما قد ينعكس سلباً على استقرار المنطقة بأسرها. ومع استمرار الضغوط الدولية وتزايد التحديات الاقتصادية، سيحتاج النظام الإيراني إلى إعادة هيكلة داخلية قوية لتوحيد الجهود بينالحرس الثوري والسلطات المدنية، وإلا فإن خطر تصعيد الصراعات الداخلية قد يهدد مستقبل البلاد على مدى عقود قادمة.











