كيف يربح سماسرة شيكاغو وشركات النفط الأمريكية من حروب الشرق الأوسط

حرب النفط: من صراع إقليمي إلى سوق مالي عالمي
في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، شهدت أسعار النفط العالمية ارتفاعاً غير مسبوق، إذ تجاوز سعر برميل خام برنت 110 دولارات بعد أن كان في بداية مارس/آذار 2026 عند 70 دولاراً. هذا الانفجار في الأسعار يُعيد طرح سؤال قديم: من يربح حقاً عندما ترتفع الأسعار؟
الولايات المتحدة: المنتج الأكبر والمستفيد الأكبر
على الرغم من أن الولايات المتحدة تُعد أكبر منتج للنفط في العالم، إلا أن حصة قطاع النفط والغاز في الناتج المحلي لا تزال منخفضة، إذ تشكل 7 % فقط من إجمالي الناتج، مقارنة بـ 25‑60 % في دول الخليج. ومع ذلك، فإن الشركات النفطية الأمريكية، مثل إكسون موبيل وشيفرون، قد استثمرت في السنوات الأخيرة في تكنولوجيا استخراج النفط الصخري، ما جعلها قادرة على توسيع إنتاجها إلى 13.5 مليون برميل يومياً في عام 2025، تفوق روسيا التي أنتجت 9.9 مليون برميل يومياً.
عندما ترتفع أسعار النفط، يزداد الطلب العالمي على الخام الأمريكي، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الخام الأمريكي مباشرةً. هذا الارتفاع يزيد من إيرادات شركات التنقيب والتكرير، ويُحمل في النهاية إلى ارتفاع هوامش الربح للقطاع، حتى مع ارتفاع تكاليف الإنتاج.
أثر ارتفاع الأسعار على الاقتصاد العالمي
تُعد دول المستوردة للبترول، مثل الصين واليابان، من الخاسرين الرئيسيين في ظل ارتفاع الأسعار، حيث يرفع ذلك تكاليف الإنتاج والشحن ويضع ضغطاً على الطلب الكلي. ومع ذلك، فإن الشركات الكبرى في الولايات المتحدة تستفيد بوضوح، خاصةً عندما يُمنع المنافسون من تصدير نفطهم.
في عام 2022، حين اندلعت حرب روسيا‑أوكرانيا، حقّقت شركات النفط والغاز العالمية أرباحاً تجاوزت 916 مليار دولار، منها 301 مليار دولار للشركات الأمريكية.
البورصات كحاضن للربح: بورصة شيكاغو وبورصة لندن
يُعَدّ سوق العقود الآجلة في بورصة شيكاغو (WTI) والبورصة البريطانية (برنت) المعياران الرئيسيان لتسعير النفط. تُستخدم هاتان السوقان لتداول عقود الخيارات، التحوط، والمنتجات المالية الأخرى.
تُظهر الدراسات أن 45 % من سوق تأمين النفط العالمي يُدار عبر بورصة لندن، ما يجعلها مركزاً رئيسياً للمضاربة على النفط خلال الأزمات الجيوسياسية.
سماسرة شيكاغو: من المعلومات إلى الأرباح
في 24 مارس، ارتفعت حجم التداول في سوق عقود النفط الآجلة بعد تغريدة للرئيس الأمريكي تُشير إلى احتمال تأجيل الضربات الجوية على بنية إيران للطاقة. أُجريت عمليات بيع تُعادل 6 ملايين برميل في أقل من 15 دقيقة، مما يوضح كيف يمكن للمعلومات المتاحة داخل البيت الأبيض أن تُحوّل إلى أرباح سريعة للمتداولين.
هذه الظاهرة ليست استثناءً، إذ تُستغل المعلومات الحساسة في سوق النفط لتوليد أرباح ضخمة للمستثمرين ذوي الصلات السياسية، خاصةً في الولايات المتحدة وبريطانيا.
توزيع الأرباح: من الشركات إلى الأثرياء
أظهرت ورقة بحثية منشورة في مجلة Science Direct أن الأرباح التي تم تحقيقها من ارتفاع أسعار النفط في عام 2022، التي بلغت 336 مليار دولار داخل الولايات المتحدة، استلمها مديرو الأصول 171 مليار دولار، وهم ممثلو الشركات الكبرى مثل بلاك روك، فانغارد، وستيت ستريت.
وتُظهر الأرقام أن 50 % من إجمالي الأرباح في عام 2022 ذهبت لأغنى 1 % من سكان العالم، بينما وصلت 84 % إلى أغنى 10 %. في المقابل، حصدت الأسر ذات الدخل المتوسط أو الأقل 1 % فقط من هذه الأرباح.
توزيع على أساس العرق
في الولايات المتحدة، حصدت الأسر البيضاء 87 % من الأرباح، بينما حصلت الأسر الأفريقية واللاتينية على حصص ضئيلة، غالباً عبر صناديق التقاعد.
تأثير على الفجوة الاجتماعية
هذا التوزيع غير المتكافئ يفاقم الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، حيث يُعزز ارتفاع أسعار النفط الأثرياء على حساب الفقراء، ويُعيد إنتاج حلقات عدم المساواة التي تشكل صراعاً أساسياً في الرأسمالية الحديثة.
الخلاصة: الاقتصاد العالمي في يد القلة
بينما يواجه المستهلكون العالميون ارتفاعاً في تكاليف الطاقة، يستفيد القطاع المالي الأمريكي، مع بُنى مالية معقدة، من أي ارتفاع في أسعار النفط. تُحوَّل جزء كبير من عائدات النفط إلى أسواق المال، وتُعاد توزيع الثروة في اتجاه أعلى، مع تركيز الملكية في يد القلة.
مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يُتوقع أن يظل سوق النفط متأثراً، ما يخلق فرصاً مستمرة للمستثمرين ذوي الصلات القوية مع صانعي القرار. في ظل هذا الواقع، سيستمر الاقتصاد العالمي في أن يُعكس في أيدي القلة، بينما يظل الأفراد العاديون يواجهون ارتفاعاً مستمراً في تكاليف المعيشة.











