فاتورة هرمز: استنزاف الحرب على إيران لقوة أمريكا

مقدمة عاجلة
أظهر تقرير صادر عن جهات عسكرية أمريكية في أوائل شهر مايو أنالعملية "الغضب الملحمي" التي شنتها الولايات المتحدة ضد إيران قد أدت إلى استنزاف ملحوظ في مخزون الذخائر، وتراجع واضح في القدرة الاستراتيجية للولايات المتحدة في مسرح آسيا، فضلاً عن كشف ثغرات سيبرانية في قطاع النفط والغاز. يأتي ذلك في ظل تصريحات صريحة للسيناتور الديمقراطيمارك كيلي من ولاية أريزونا، الذي حذر من أن الولايات المتحدة أصبحت أقل جاهزية لمواجهة صراع عسكري واسع في المستقبل.
استنزاف المخزون العسكري
خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ في مطلع الشهر الحالي، استجوبمارك كيلي وزير الحرب الأمريكيبيت هيغسيث حول حجم الخسائر التي لحقت بمخزون الذخائر نتيجة العملية. أشار كيلي إلى أن كميات ضخمة من الصواريخ والقنابل استُهلكت، ما جعل الشعب الأمريكي أكثر عرضة للمخاطر في حال وقوع صراع في غرب المحيط الهادئ معالصين أو أي جبهة أخرى.
بيت هيغسيث صرح أن إعادة بناء المخزون قد تستغرق سنوات، مشيراً إلى أن الجاهزية على المدى الطويل قد تضررت بشكل لا يمكن تعويضه إذا استمر الصراع لأشهر أو سنوات. وأوضح السيناتور أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها في "وضع أسوأ" مما كانت عليه لو لم تشارك في هذا الصراع.
تراجع النفوذ الاستراتيجي في آسيا
تشير التحليلات إلى أن استنزاف المخزون العسكري يرافقه تراجع واضح للمكانة الأمريكية في آسيا. فقد أظهرت تقارير داخلية أن الحلفاء الإقليميين يبدون قلقاً متزايداً من قدرة واشنطن على ضمان الأمن المشترك، خاصة في ظل تصاعد النفوذ الصيني في المنطقة.
في هذا السياق، حذر خبراء الأمن القومي من أن الصراع على إيران قد يخلق فراغاً استراتيجيًا تستغلهالصين لتوسيع حضورها العسكري والاقتصادي، ما قد يغير موازين القوى في المحيط الهادئ.
الصعود الصيني في قطاع الطاقة المتجددة
أظهر تحليل لمجلةفورين أفيرز الأمريكية أن الحرب على إيران قد سرعت من تحول دول العالم إلى السعي نحو استقلالية طاقة، وهو ما استفادت منهالصين بشكل كبير. استثمرت بكين مئات المليارات من الدولارات في بناء شركات رائدة في مجال الطاقة النظيفة، وأصبحت الآن المصدر الرئيسي لتقنيات الألواح الشمسية والبطاريات.
من بين الشركات البارزة، تبرزسي إيه تي إل كأكبر مصنع للبطاريات في العالم، وتحتلبي واي دي الصدارة في مبيعات السيارات الكهربائية. هذه الاستثمارات تعزز من قدرة الصين على تصدير التكنولوجيا وتقلل من اعتماد الدول على النفط التقليدي، ما يمنحها "مكاسب" جيوسياسية واضحة على حساب الولايات المتحدة التي شهدت تراجعاً في استثماراتها في الطاقة النظيفة وزيادة في الإنفاق على الوقود الأحفوري.
انعكاسات الطاقة على السياسة الأمريكية
رغم أن واشنطن سعت إلى استغلال أزمة مضيق هرمز لتعزيز صادراتها من الهيدروكربونات، إلا أن التقرير يشير إلى أن العروض الأمريكية أصبحت أقل جاذبية مقارنة بما تقدمه الصين من حلول طاقة متجددة. وقد أدت هذه الظاهرة إلى تعزيز توجه بعض الدول نحو تنويع مصادرها الطاقية بعيداً عن الاعتماد على النفط الأمريكي، ما يزيد من الضغوط على القدرة التفاوضية للولايات المتحدة في الساحة الدولية.
التهديدات السيبرانية على البنية الحيوية
إلى جانب الأبعاد العسكرية والاقتصادية، كشف تقرير لمجلةناشونال إنترست عن مخاطر سيبرانية متزايدة نتيجة الصراع. صرحدامون سمول، عضو مجلس إدارة شركةإكس كيب للأمن السيبراني، بأن 87٪ من مشغلي قطاع النفط والغاز يعتقدون أنهم قادرون على رصد الاختراقات خلال 24 ساعة، في حين لا يمتلك سوى 16٪ أنظمة مراقبة مخصصة للتكنولوجيا التشغيلية.
يعود هذا التفاوت إلى الاعتماد المفرط على أدوات تكنولوجيا المعلومات التقليدية، ما يجعل الفجوة بين تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية نقطة ضعف يمكن للهاكرز استغلالها. أضاف سمول أن الهجمات السيبرانية لا تحتاج إلى اختراق تشفير معقد إذا استطاع المهاجم استغلال الفجوة بين الفرق التقنية داخل المؤسسات.
ردود الفعل من قطاع الصناعة
عبر مدير العمليات في شركةسوزو لابز،دافيد شلوس، عن قلقه إزاء الثقة المبالغ فيها التي أظهرها القطاع، مؤكدًا أن هذا النمط الخطير من التفكير قد يؤدي إلى تعطل فعلي في البنية التحتية الحيوية. وأشار إلى أن سنوات من تطوير أنظمة التحكم الصناعية لم تأخذ في الاعتبار الحد الأدنى من الصمود أمام أنماط البيانات غير الطبيعية، ما يستدعي تعزيز المراقبة المستمرة وتحديث البرمجيات لتجنب الانقطاع الفعلي.
الأبعاد الجيوسياسية المستقبلية
تؤكد جميع هذه المؤشرات أنفاتورة هرمز ليست مجرد مسألة ملاحقة بحرية أو صراع إقليمي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تفوقها العسكري والاقتصادي في ظل تحولات عالمية سريعة. إذا استمرت الاستنزافات العسكرية وتفاقمت الثغرات السيبرانية، قد تجد واشنطن نفسها في موقف ضعيف أمامالصين التي تستغل كل فرصة لتعزيز مكانتها في مجالات الطاقة المتجددة والابتكار التقني.
ما القادم؟
من المتوقع أن تستمر جلسات الاستماع في الكونغرس لمناقشة سبل تسريع إعادة بناء مخزون الذخائر، إلى جانب مراجعة استراتيجيات الأمن السيبراني للقطاعين العام والخاص. في الوقت نفسه، قد تسعى الإدارة الأمريكية إلى تعزيز تحالفاتها في آسيا لتقويض النفوذ الصيني، بينما تستمر دول الشرق الأوسط في البحث عن بدائل طاقة أكثر استدامة تقلل من الاعتماد على الممرات المائية المتقلبة مثل مضيق هرمز.
إن ما سيحدده القادة الأمريكيون في الأسابيع القليلة المقبلة سيشكل معالم القوة الجيوسياسية لعقود قادمة، وقد يصبحالصين الفائز الأكبر إذا ما استمرتالولايات المتحدة في مواجهة عبء استنزاف مواردها الداخلية.





