الحصار البحري ووساطة باكستان: نضج الصراع وتكامل شبكات الدبلوماسية

يُعتبر العالم على حافة منعطف تاريخي، حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية حصارا بحرياً على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات إسلام آباد مباشرة. ونتيجة لذلك، رُفعت سقف التصعيد الاقتصادي مع تضييق المساحة الدبلوماسية المتبقية. غير أن المفارقة التي يغفل عنها كثير من المحللين هي أن هذا الحصار، بكل ما ينطوي عليه من تصعيد، قد يكون من منظور نظرية المساومة عند جيمس فيرون، لحظة نضج حقيقي للصراع.
تنطلق نظرية فيرون من مسلمة جوهرية: أن الحرب ظاهرة عقلانية وغير عقلانية في آن واحد. فهي عقلانية بمعنى أنها تنشأ حين يعجز الطرفان عن سد فجوة المعلومات، وحل إشكاليات الالتزام بالطرق السلمية، لكنها غير عقلانية بمعنى أنها تدمر القيمة التي يتنازع عليها الطرفان. ومن ثم، فإن إنهاء الحرب يستلزم أولاً أن يبلغ الطرفان ما أسماه زارتمان المأزق المؤلم المتبادل، أي تلك اللحظة التي يدرك فيها كل منهما أن مواصلة القتال ستكلفه أكثر مما ستدر عليه.
والشاهد أن الطرفين قد بلغا في نظري هذه اللحظة، وإن كان كل منهما يحجم عن الإقرار بذلك علنا. فإيران، رغم صمودها في خطاب قادتها، تواجه واقعا عسكريا معتما: فقد دمر ما يزيد على 80% من منظومات دفاعها الجوي، وأبيدت بحريتها الحربية عمليا، وباتت تعيش في ظل حصار بحري يهدد شريان اقتصادها. أما الولايات المتحدة، فرغم تفوقها العسكري الساحق، فإنها تجد نفسها في مواجهة فخ التكاليف غير المتماثل الذي حذر منه المحللون.
صواريخ الاعتراض بالملايين تستنزف في مواجهة مسيرات إيرانية بعشرات الآلاف من الدولارات، والتقارير تشير إلى أن مخزون الذخائر الدقيقة قد يستنفد خلال أسابيع حسب الوتيرة الراهنة للإطلاق. يضاف إلى ذلك أن أسعار النفط تحوم عند مستويات تهدد بركود اقتصادي عالمي، وأن الحلفاء الأوروبيين والآسيويين رفضوا الإنخراط في الحرب لدعم واشنطن. الحصار البحري هو وسيلة واشنطن لاستخدام أسرع طريقة لضرب الاقتصاد الإيراني، وهي أعلى نقطة ضغط عسكري ما دون الاجتياح للأراضي الإيرانية بعد استنفاد أهداف الحملة الجوية، وهو ما يفتح الباب لتسوية سياسية تخرج واشنطن من فخ استمرار التصعيد.
وهذا التناقض بالذات- حصار يظهر القوة ويكشف حدودها في آن واحد- هو ما يجعل اللحظة الراهنة لحظة نضج عسكري حقيقي بالمعنى الذي حدده فيرون. إذا كان النضج العسكري شرطا لازما لإنهاء الحرب، فإنه غير كاف وحده. فالمسافة بين إدراك أن الحرب باتت عبئا وبين التوصل إلى تسوية مقبولة مسافة تحفها المخاطر، ولا يمكن اجتيازها إلا بوسيط يمتلك ثلاث خصائص: الشرعية لدى الطرفين، والقدرة على صياغة حزم تفاوضية إبداعية، والنفوذ الكافي للتأثير في حسابات التكلفة والفائدة.
وباكستان، بكل متناقضاتها وتعقيداتها الداخلية، هي الوسيط الوحيد الذي يجمع هذه الخصائص الثلاث في هذه اللحظة بالذات. فهي دولة نووية مسلمة ذات علاقات راسخة مع طهران تعود إلى عقود، وفي الوقت نفسه شريك أمني وثيق لواشنطن، ولها علاقات إستراتيجية متشعبة مع بكين. هذا الموقع الفريد في تقاطع الشبكات الثلاث، الأمريكية، والإيرانية، والصينية، يمنح إسلام آباد القدرة على الاستفادة من جميع علاقاتها السياسية في وقت واحد.
والدليل العملي ماثل: فقد كانت باكستان هي من أقنع الطرفين بالجلوس إلى طاولة واحدة لأول مرة منذ عقود، وهي من صاغت وقف إطلاق النار الهش الذي أتاح ثلاثا وعشرين ساعة من المفاوضات المباشرة في إسلام آباد. وإن كان هذا الجهد لم يثمر اتفاقا نهائيا، فإنه أرسى إطارا دبلوماسيا موثوقا: قنوات اتصال مفتوحة، وفهما أعمق للخطوط الحمراء لدى كل من الطرفين، وبوادر إطار اتفاق نهائي.
غير أن ثمة عقبة تبقى الأصعب في نموذج فيرون، وهي ما يمكن تسميته اختبار الجمهور. فأي تسوية، مهما بلغت من الحكمة الإستراتيجية، ستموت في مهدها إذا عجز قادة الطرفين عن تسويقها لجمهوريهما الداخليين. وهذا بالضبط ما حدث في إسلام آباد: الفجوة لم تكن بين ما يستطيع الوفدان قبوله في غرفة المفاوضات، بل بين ما يستطيع كل منهما الدفاع عنه أمام دوائره الانتخابية.
المفاوض الأمريكي محاصر بين متطلبات إستراتيجية تفرض المرونة وخطاب رئاسي عالي السقف يعد بنزع البرنامج النووي الإيراني بالكامل وتغيير النظام. والمفاوض الإيراني يحمل على كاهله ثقل دماء القادة الذين اغتيلوا، وتوقعات جمهور معبأ حول سردية مقاومة الاستكبار، ويعلم أن أي تنازل سيقرأ داخليا على أنه استسلام تحت وطأة القنابل مع فداحة التكاليف التي قدمت.
الوساطة الباكستانية الناجحة، إذن، لا تعني صياغة تسوية عادلة فحسب، بل تعني تسوية قابلة للرواية، أي يستطيع ترمب أن يقدمها للأمريكيين بوصفها انتصارا تحقق فيه جزء من التفكيك النووي، ويستطيع المفاوض الإيراني تقديمها لطهران بوصفها اعترافا بالحقوق السيادية وضمانا بعدم تكرار الحرب. اللغة المزدوجة التي تتعمد الغموض والتي أجادت الدبلوماسية الباكستانية رسمها في نص وقف إطلاق النار، هي مفتاح هذه المعادلة.
إن نموذج فيرون لإنهاء الحرب يكشف أن الشروط الجوهرية للتسوية باتت متوافرة. والنضج العسكري تحقق بإعلان الحصار الذي وضع كلا الطرفين أمام أعلى نقطة تكاليف في هذا النزاع، والمساحة الدبلوماسية موجودة، في إطار الوساطة الباكستانية، وشبكة العلاقات التي بنتها إسلام آباد. ما تبقى هو الحلقة الأصعب: صياغة مساومات قابلة للترويج السياسي في واشنطن وطهران في آن واحد.











