---
slug: "nbb2o7"
title: "المحكمة الجنائية الدولية بين السرية والشفافية.. تعديل قانوني ملزم وواضح"
excerpt: "يعتمد التعديل الجديد على لائحة المحكمة الجنائية الدولية تعديلا قانونيا ملزما يحد من وصول الجمهور إلى طلبات أوامر القبض بموجب المادة (58)، وتكشف الحالة في فلسطين عن أهمية هذا التعديل في تعزيز فاعلية التحقيقات في الملفات الحساسة، وضمان سرية الإجراءات في مراحلها الأولى، مع تحفيز الضحايا والمجتمعات المتأثرة على المعرفة بالتطورات القضائية."
category: "general"
imageUrl: "https://cdn.hatrek.co/imgs/a6082fd450b6df30.webp"
readTime: 4
---

### المحكمة الجنائية الدولية بين السرية والشفافية.. تعديل قانوني ملزم وواضح

في واحدة من أكثر الخطوات الإجرائية حساسية منذ سنوات، اعتمدت المحكمة الجنائية الدولية في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 تعديلا قانونيا ملزما على لائحة المحكمة دخل حيز التنفيذ، يحد من وصول الجمهور إلى طلبات أوامر القبض بموجب المادة (58) منها، وتكشف الحالة في فلسطين عن أهمية هذا التعديل في تعزيز فاعلية التحقيقات في الملفات الحساسة، وضمان سرية الإجراءات في مراحلها الأولى، مع تحفيز الضحايا والمجتمعات المتأثرة على المعرفة بالتطورات القضائية.

### الإطار القانوني للتعديل

يعكس التعديل الجديد، المتمثل في القاعدة (23 ثالثا)، تغييرا عميقا في طريقة إدارة المحكمة ملفاتها الحساسة، خصوصا في القضايا المشبعة بالتجاذبات السياسية. فبموجب المادة (52/1) من نظام روما الأساسي، التي تخول القضاة وضع لوائح المحكمة اللازمة لأداء مهامها، اعتمدت الهيئة الكاملة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية تعديلا على لائحة المحكمة دخل حيز التنفيذ في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

ويقضي التعديل، المتمثل بإضافة القاعدة (23 ثالثا)، بأن تقدم طلبات إصدار أوامر القبض أو أوامر الحضور بموجب المادة (58) تحت تصنيف: سري أو مختوم، ما لم تقرر إحدى الدوائر خلاف ذلك. ويهدف التعديل إلى حماية سلامة التحقيقات، وضمان فاعلية عمليات إلقاء القبض، ورفع مستويات السرية في إدارة الملفات الحساسة.

### الأساس المنطقي للتعديل

لم يأت اعتماد القاعدة (23 ثالثا) من فراغ، بل شكل تقنينا لممارسة قضائية كانت الدوائر التمهيدية تتبعها بصورة متكررة عند التعامل مع طلبات أوامر القبض بموجب المادة (58). ففي قضية الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، قدم طلب إصدار أمر قبض بحقه في 10 فبراير/شباط 2025 بصورة سرية، وصدر الأمر تحت تصنيف "سري" في 7 مارس/آذار 2025، قبل أن يعاد تصنيفه كوثيقة علنية بعد تنفيذ الاعتقال وتسليمه إلى لاهاي.

ويستند التعديل إلى مجموعة من الاعتبارات العملية والقانونية، أحدها هو الإبقاء على طلبات أوامر القبض ضمن نطاق السرية، لتعزيز فاعلية الإجراءات القضائية في مراحلها الأولى، وتحفيز الدول الأطراف على تنفيذ الاعتقالات دون إنذار مسبق. كما يهدف التعديل إلى حماية سلامة التحقيقات، وضمان فاعلية عمليات إلقاء القبض، ورفع مستويات السرية في إدارة الملفات الحساسة.

### التطبيق العملي للتعديل

تكتسب القاعدة (23 ثالثا) أهمية خاصة في سياق الحالة في فلسطين، رقم القضية (ICC-01/18). ففي 13 يوليو/تموز 2018، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى قرارا ألزمت قلم المحكمة بإنشاء نظام دائم للإعلام والتوعية العامة لفائدة الضحايا والمجتمعات المتأثرة، مع تقديم تقارير دورية كل ثلاثة أشهر، مما يعكس الطبيعة المعقدة والحساسة للحالة الفلسطينية داخل المحكمة.

ويكشف التقرير الحادي والثلاثون لقلم المحكمة، الصادر في 12 مايو/أيار 2026، استمرار اعتماد مستويات مرتفعة من السرية، إذ لا يزال التقرير مصنفا بصفة سري بموجب المادة (23 مكرر/1) من لائحة المحكمة، بسبب احتوائه على معلومات حساسة.

### تحليل نقدي للآثار المترتبة على القاعدة (23 ثالثا)

يمثل التعديل، من الناحية الإجرائية، خطوة مهمة نحو تعزيز فاعلية عمل المحكمة الجنائية الدولية. فالإبقاء على طلبات أوامر القبض ضمن نطاق السرية يمنح الدول الأطراف فرصة أفضل لتنفيذ الاعتقالات دون إنذار مسبق، ويحد من احتمالات هروب المشتبه بهم أو إتلاف الأدلة أو التأثير على الشهود.

ومع ذلك، يثير التوسع في السرية جملة من الإشكاليات القانونية والسياسية. فالعلنية تشكل أحد المرتكزات الأساسية للمحاكمة العادلة، وتضمن ثقة الرأي العام في نزاهة القضاء وشفافية إجراءاته. كما أن التعديل، رغم هدفه المعلن بحماية المحكمة من الضغوط السياسية، قد يتحول بحد ذاته إلى موضوع للصراع السياسي، سواء عبر اتهام المحكمة بالمبالغة في السرية، أو من خلال توظيف التسريبات الجزئية لخدمة روايات متعارضة.

### فلسطين بين سرية المحكمة وحق الضحايا في المعرفة

يمثل اعتماد القاعدة (23 ثالثا) تحولا مهما في البنية الإجرائية للمحكمة الجنائية الدولية، إذ ينقل مسألة سرية طلبات أوامر القبض من نطاق الممارسة القضائية غير الموحدة إلى إطار قانوني ملزم وواضح. وفي الحالة الفلسطينية، بما تحمله من تعقيدات سياسية وأمنية واستقطاب دولي حاد، يبدو هذا التعديل أداة ضرورية لحماية سلامة التحقيقات وتعزيز فاعلية الإجراءات القضائية، خصوصا بعد التطورات التي شهدها مايو/أيار 2026.

ومع ذلك، فإن تعزيز السرية لا ينبغي أن يؤدي إلى تراجع مبدأ الشفافية أو إضعاف ثقة الضحايا والرأي العام بعمل المحكمة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في السرية بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها ضمن حدود الضرورة والتناسب، وبما يحافظ على التوازن بين فاعلية العدالة وحق الجمهور في المعرفة.
