غزة.. حرب لم تتوقف بل تغيّرت أشكالها وأهدافها

كانت هناك توقعات بأن الاتفاق الذي أُبرم في أكتوبر/تشرين الأول 2025 سيساهم في انفراجة على الصعيد الإنساني والمعيشي في قطاع غزة، لكنَّ إسرائيل تواصل التلكؤ والمماطلة في تنفيذ التزاماتها، مما أدى إلى تضييق الخناق على دخول المساعدات والبضائع.
ويحس الغزيون بالضغط والكادحين في ظل الأزمات الإنسانية والاقتصادية التي تواجههم، وأفاد حسن أبو ريالة، وكيل وزارة الاقتصاد في القطاع، أن إسرائيل تستخدم الحصار كأداة لتعذيب سكان غزة وتتحكم في تفاصيل الحياة، مما يخلق واقعا اقتصاديا مشوها يسهم في تعميق الأزمات الإنسانية المتراكمة.
وأوضح أبو ريالة أن إسرائيل تعمد إلى تكريس الاحتكار عبر حصر الإدخال المقيّد للسلع بعدد محدود من التجار، مما أفرز حالة من الارتفاع الفاحش لأسعار كثير من البضائع نتيجة ندرة العرض مقابل زيادة الطلب، Adding that "ليس لدينا سيطرة على آليات إدخال السلع والبضائع، ونحن مضطرون للتعامل مع هذا الواقع الصعب في ظل التحكم الإسرائيلي الكامل".
وأشار إلى أن السياسة الإسرائيلية أدت إلى هشاشة في المخزون السلعي من المواد الغذائية والأساسية، مبيّنا أن إغلاق المعابر يوما واحدا يتسبب في ارتفاع مباشر للأسعار، وبحسب Abu Riaala فإن البروتوكول الإنساني المرفق باتفاق وقف إطلاق النار نص على إدخال 600 شاحنة يوميا ما بين مساعدات ومواد تجارية، موضحا أن ما تسمح إسرائيل بإدخاله لا يتجاوز نصف هذا العدد في أفضل الأحوال.
وقالت المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن إسرائيل مستمرة في الإخلال بالتزاماتها الإنسانية، وعدم إدخال الاحتياجات الأساسية من مواد الإيواء والمستلزمات الطبية والمعدات الثقيلة والوقود، إلى جانب تعطيل إعادة تشغيل البنية التحتية الحيوية، وأضاف أن إسرائيل لم تلتزم بفتح معبر رفح بشكل كامل، ولم تسمح بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة، ولا بإدخال المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض.
وتتواصل الجيوش الإسرائيلية في حربها على غزة، حيث تتوغل وتستهدف أفراد الشرطة الفلسطينية، ويعتبر المحلل السياسي أحمد الطناني أن الضربات المستهدفة هي جزء من إستراتيجية أوسع للحفاظ على حالة الحرب وتقويض الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، ويقول الطناني إن إسرائيل "تريد جعل البيئة غير صالحة للعيش، مما يجبر السكان على السعي للنزوح، وهو ما يخدم الهدف الإستراتيجي لهذه الحرب".
ويمتد الخط الأصفر الإسرائيلي على قطاع غزة بعمق يتراوح بين كيلومترين و7 كيلومترات، مصنفا تلك المساحة بمناطق خطرة خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ورغم كونه خطا افتراضيا في الأصل، فقد ثبَّت الجيش الإسرائيلي كتلا أسمنتية صفراء كبيرة لتحديده ميدانيا، مُحوّلا إياه إلى حزام واضح يمثل نطاق تمركز قواته ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق.
ورغم أن الاتفاق نص في مرحلته الثانية على الانسحاب الإسرائيلي الكامل خارج قطاع غزة، فإن تل أبيب ضربت بالاتفاق عرض الحائط، مؤكدة أنها لا تنوي الانسحاب شرق "الخط الأصفر" في غزة، بل وسّعت احتلالها لأراضٍ جديدة في القطاع.
ويعتبر مدير مركز الدراسات السياسية رامي خريس أن التحركات الأخيرة للمليشيات المسلحة أصبحت عنصرا مركزيا في إستراتيجية الاحتلال للتحكم الداخلي، ويضيف خريس أن الخط الأصفر يربط بين السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة وأنماط السيطرة غير المباشرة القائمة على إدارة المجال الأمني عن بُعد، وذلك من خلال ترابط إسرائيل دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بنزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
وقالت حماس إنها لن تنزع سلاحها حتى تتوقف القوات الإسرائيلية عن احتلال الأراضي الفلسطينية.
ويعتبر المحلل القرّا أن إسرائيل نجحت في استخدام خطاب السلام الشامل لترمب غطاء لمواصلة عملياتها العسكرية مع المطالبة بنزع السلاح، وهو شرط وصفه بأنه "ذريعة غامضة وغير واقعية".
ومع استمرار التوغل الإسرائيلي جغرافيا وتقلص مساحة الأمل إنسانيا، يبدو أن قطاع غزة لم يخرج فعليا من أتون الحرب، بل دخل في طور جديد من "الصراع المستدام" الذي تُستخدم فيه لقمة العيش وتفاصيل الإدارة المدنية أدوات للضغط السياسي، ويتواصل الجيش الإسرائيلي في حربه على قطاع غزة.











