الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز يعيد تشكيل هوية الضفة

شهدت الضفة الغربية تصاعدًا حادًا في الممارسات الاستيطانية خلال الأسابيع الماضية، حيث يتحول الاحتلال الإسرائيلي من السيطرة الميدانية إلى تعزيز "السيادة البصرية" عبر توزيع مكثف للأعلام والرموز الدينية. وبحسب مراقبين، تهدف هذه الإجراءات إلى إعادة تشكيل الهوية الجغرافية والثقافية للمنطقة لصالح مشروع تهويدي طويل المدى.
الاستراتيجية البصرية والرموز الدينية
أشارت جولات ميدانية إلى توزيع أكثر من300 علم إسرائيلي على الطرقات الرئيسية في الضفة، إلى جانب نصب مجسمات دينية مثلالشمعون ونجمة داوود على قمم التلال والميادين العامة. ووصف الباحثون هذه الخطوة بأنها جزء من استراتيجية "القوة الناعمة" التي تهدف إلى إرسال رسائل شرعية وثقافية لتأكيد السيطرة على الأراضي.
وأوضح مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان،حسن بريجية، أن المستوطنين يتجاوزون الآن مرحلة نشر الرموز ليمضوا إلى تغيير ملكية المباني العامّة. ففي بلدةحوارة جنوب نابلس، أزال مستوطنون علم فلسطين المعلق فوق مدرسة ثانوية ورفعوا العلم الإسرائيلي في مكانه، وهو تصرف يُنفذ "تحت حماية الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية".
تسميات توراتية ومحاولات نفي التاريخ
أكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية،علاء الريماوي، أن الاحتلال يستخدم تسميات توراتية لفلسطينية لمدن مثلنابلس (تُدعى "شكيم") والخليل (تُطلق عليها "حبرون") لربطها بالرواية التاريخية الإسرائيلية. هذا التغيير يهدف إلى "إعادة إنتاج وعي جغرافي يخدم المشروع الاستيطاني".
وأضافالريماوي أن الرموز الدينية تُستخدم لمنح الشرعية المزيفة للمواقع التي يسيطر عليها المستوطنون. مثال على ذلك هو "قبر يوسف" في نابلس، الذي تدعي إسرائيل أنه له قدسية يهودية، بينما أثبت علماء الآثار أن الموقع ضريحًا لشيخ مسلم يُدعىيوسف دويكات، ولا يتجاوز عمره بضعة قرون.
الاعتداءات المتواصلة وربطها بال策略ة البصرية
تتزامن هذه الممارسات مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، حيث سجلت جهات فلسطينية443 اعتداءً منذ 28 شباط/فبراير الماضي، في ظل حالة اضطرابات عامة. وبحسب إحصائيات رسمية، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ أكتوبر/تشرين أول 20231140 شخصًا، فيما أصيب11750 آخرون.
يرى الباحثون أن هذا الارتفاع في العنف مرتبط بتفعيل "السيادة البصرية"، حيث يُستخدم استهداف المواقع الدينية والثقافية كوسيلة للترويج لرؤية إسرائيلية مُجسدة. ففي مخيمات الضفة، تُعرض لوحات ولافتات تحمل شعارات توراتية، بينما تم مسح الأسماء العربية من بعض الشوارع لاستبدالها بأخرى عبرية.
التحذير من تأسيس "دولة المستوطنين"
أشارالريماوي إلى أن الهدف النهائي من هذه الممارسات يتمثل في إقامة ما وصفه بـ"دولة المستوطنين" في الضفة الغربية. وأضاف أن الاحتلال يعمل على "فرض هيمنة كاملة عبر استغلال الفراغ الفلسطيني في إدارة بعض المناطق".
في هذا السياق، تُعتبر الضفة الغربية مختبرًا لمحاولات تطبيق مخططات استيطانية أوسع، مثل تدمير المدن الفلسطينية الصغيرة والتحويل إليها مراكز إدارية للمستوطنات. وذكر أن هذه الإجراءات تُنفذ بدعم من أجهزة أمنية إسرائيلية تراقب تنفيذها، مما يمنحها طابعًا رسميًا يصعب التشكيك فيه.
التحديات والردود الفلسطينية
رغم الصعوبات، تؤكد فصائل فلسطينية أن هذه الممارسات لن تُغير الواقع التاريخي للضفة. ودعت إلى تعزيز الحضور الفلسطيني عبر توثيق الانتهاكات ورفعها إلى الهيئات الدولية، إلى جانب تدريب السكان على مواجهة "الإيديولوجية الاستيطانية".
من جهته، حذر المراقبون من أن الاستمرار في هذه السياسة قد يدفع إلى تصعيد مفاجئ، خاصة مع انعدام الرادع الدولي. ودعا الخبراء إلى تبني خطط استباقية لحماية الموارد الطبيعية والثقافية في الضفة، من بينها المسجد الأقصى المبارك، الذي يُعتبر هدفًا محتملًا لمحاولات "التغيير الديموغرافي".
الخلفيات التاريخية والمستقبل المهدد
تُعد الضفة الغربية ميدانًا لصراع يتجاوز النزاع المسلح إلى الحرب على الهوية.











