صراع السرد بين ترمب وإيران حول فتح مضيق هرمز والاتفاق النووي

خلفية الصراع على السرد
في ظل تركيز الأنظار العالمية على حركة السفن فيمضيق هرمز بعد إعلان فتحه رسمياً يوم الجمعة وإعادة إغلاقه اليوم السبت، تنكشف معركة أخرى لا تقل حدةً: صراع لغوي بيندونالد ترمب وإيران لتسويق كل خطوة على أنها انتصار لا تقبل الجدل. يهدف الطرفان إلى تشكيل رواية تُقنع جماهيرهما الداخلية والخارجية بأنهم الفائزون في مفاوضات إسلام أباد التي تجري في خلفية الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
فتح وإغلاق مضيق هرمز
وفقاً للمتحدث باسم مقرخاتم الأنبياء في طهران، أعيد إغلاقمضيق هرمز وعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل الفتح الأخير، مؤكدًا أن الممر سيظل تحت الإدارة المباشرة للقوات المسلحة الإيرانية وخاضعاً لرقابة مشددة. في المقابل، صرحدونالد ترمب عبر حسابه على منصةتروث سوشال بأن الفتح كان "إعادة انضباط للملاحة الدولية" وأن المضيق "مفتوح بالكامل للتجارة".
الاختلاف لا يقتصر على المصطلحات فقط؛ فإيران اعتمدت ما سُمي بـ"البروتوكول المتنَسق" الذي يحول المضيق إلى ممر إيراني إداري، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة سيطرتها على مسار الطاقة العالمي من خلال ما تصفه بـ"القرصنة والسطو البحري".
مسار "المسار المنسق"
أعلن وزير الخارجية الإيرانيعباس عراقجي على منصةإكس أن جميع السفن التجارية، باستثناء السفن الحربية، يمكنها الإبحار عبر المضيق بشرط التنسيق مع الحرس الثوري. يحد "المسار المنسق" من عبور السفن إلى ممرات تُعدها إيران "آمنة"، وتلتف حول جزيرةلارك شمالاً وجنوباً قرب السواحل الإيرانية. وقد نشرت وسائل الإعلام الرسمية في طهران خرائط وإرشادات لتفادي الألغام وتسهيل "العبور الآمن".
القضايا النووية وتعريف "غبار نووي"
في ساحة أخرى من الصراع السردي، استغلترمب مصطلح"غبار نووي" لتقليل قيمة مخزوناليورانيوم المخصب الإيراني، مُشيراً إلى أنه مجرد "نفايات لا قيمة لها". جاء هذا الوصف في إطار محاولة تسويق الاتفاق النووي كصفقة تُخلص العالم من خطر نووي دون تحمل تكاليف سياسية.
من جانبها، نفت إيران نقل اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة، مؤكدة أن "نقل اليورانيوم إلى أي مكان خارج الأراضي الإيرانية ليس خياراً مطروحاً". وفقاً لتقارير رويترز، تمتلك إيران أكثر من400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنقاء يصل إلى60 ٪، وهو ما يظل محوراً حساساً في أي تفاوض.
الولايات المتحدة اقترحت تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية لمدة20 عاماً، بينما اقترحت طهران مدة تتراوح بين3 إلى 5 أعوام. وفي سياق آخر، صرح ترمب أن إيران وافقت على عدم حيازة أسلحة نووية لأكثر من20 عاماً، مؤكداً أن هدف الحرب هو منع إيران من تطوير سلاح نووي.
مفاوضات إسلام أباد ومسار وقف إطلاق النار
في الساعات الأولى من8 أبريل، أعلن ترمب عن وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، مشيراً إلى أن "خطوة كبيرة" قد أُحرزت نحو اتفاق نهائي للسلام. قدمت إيران خطة مكوّنة منعشر نقاط لإنهاء الحرب، وصفتها الإدارة الأمريكية بأنها "قابلة للتنفيذ". إلا أن البيت الأبيض نفى أن الخطة الإيرانية هي نفسها الشروط التي وافقت عليها الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الوثيقة المتداولة ليست الإطار الفعلي للمفاوضات.
البيان الإيراني الأصلي، الصادر باللغة الفارسية، صوّغ الهدنة كـ"انتصار كبير" للطهران، بينما أُعدّت نسخة إنجليزية موجهة إلى المجتمع الدولي بصياغة أقل حدة. وفقاً لوكالةتسنيم الإيرانية، يتضمن الاقتراح الإيراني تعهد الولايات المتحدة بعدم الاعتداء، واستمرار سيطرة إيران علىمضيق هرمز، والقبول بالتخصيب النووي، ورفع جميع العقوبات، وإنهاء قرارات مجلس الأمن ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى دفع تعويضات لإيران وسحب القوات الأمريكية من المنطقة.
ملف التعويضات والاقتصاد المتضرر
أعلنت الحكومة الإيرانية أن الخسائر الناجمة عن الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل تقدر بـ270 مليار دولار. وأشارت المتحدثة باسم الحكومةفاطمة مهاجراني إلى أن ملف التعويضات يُعد أحد أهم القضايا التي طرحتها طهران في مفاوضات إسلام أباد، مشيرة إلى أن التعويضات ستشمل الأضرار المادية للمنشآت المدنية والشركات والمصانع، إلى جانب الخسائر البشرية.
من جهته، أكد ترمب أن إيران لن تحصل على أي مبالغ مالية في أي اتفاق محتمل، ناشراً عبرتروث سوشال أن "الولايات المتحدة ستحصل على كل (الغبار) النووي الذي صنعته قاذفاتنا من طراز بي 2"، وأنه "لن يتم تبادل الأموال بأي شكل".
ردود الفعل الدولية وتداعيات السرد
أثارت النسخ المتعددة للمقترح الإيراني جدلاً داخل الإدارة الأمريكية؛ فالنائبجيه دي فانس، قائد فريق المفاوضين في إسلام أباد، صرح بأنه اطلع على ثلاثة نسخ مختلفة من النقاط، مؤكداً أن النسخة التي بُني عليها اتفاق وقف إطلاق النار هي تلك التي وصلت عبر قنوات الوساطة الباكستانية فقط.
في الوقت نفسه، هاجم ترمب شبكةسي إن إن وصحيفةنيويورك تايمز متهمةً إياهما بنشر "نقاط إيرانية زائفة". وقد أدت هذه التصريحات إلى تصعيد الخطاب الإعلامي بين الجانبين، مع تزايد الضغوط على وسائل الإعلام لتقديم سردٍ متوازن.
ما يلزم في المستقبل
يبقى الصراع السردي بينترمب وإيران جزءاً أساسياً من لعبة النفوذ الإقليمي والعالمي. فبينما تسعى طهران إلى ترسيخ سيادتها علىمضيق هرمز وتقديم التفاهمات النووية كـ"مقايضة استراتيجية"، يسعى واشنطن إلى تصوير الاتفاق كـ"تحرير من الغبار النووي" وتعزيز صورة الانتصار العسكري.
مع استمرار المفاوضات في إسلام أباد، سيظل الفارق بين السردين يُشكل سلاحاً سياسياً يُستَخدم لتجنيد الدعم الداخلي وتوجيه الرأي الدولي. ما إذا كان الطرفان سيستطيعان تجاوز هذه الخلافات السردية وتطبيق اتفاق عملي يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن ما هو واضح أن كل كلمة تُقال في هذه المرحلة تُصنّف كجزء من معركة أكبر على الساحة الدولية.











