البرلمان المجري يقر تعديلات دستورية تمهيداً لعزل الرئيس سوليوك

الموافقة على التعديلات الدستورية ومقصدها السياسي
أقرّالبرلمان المجري يوم الاثنين الماضي، في جلسة عُقدت في العاصمة بودابست، مجموعة منالتعديلات الدستورية التي تُعدّ خطوةً حاسمةً في مسار الصراع بينرئيس الوزراء بيتر ماجار والرئيس الحاليتاماش سوليوك. تهدف التعديلات إلى تقليل عدد الولايات التي يمكن أن يشغلها نواب البرلمان والقضاة فيالمحكمة الدستورية، إضافة إلى وضع حدٍّ لتقاعد القضاة عند بلوغهم سن السبعين عاماً. جاءت هذه الإجراءات في إطار ما وصفه ماجار بـ"اجتثاث نفوذ سلفه فيكتور أوربان" وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بما يتماشى مع رؤيته للاتحاد الأوروبي.
تفاصيل التعديلات الدستورية
- حدّ عدد الولايات: تُقيد التعديلات عدد الولايات التي يمكن أن يتولى فيها أي نائب أو قاضٍ منصباً في مجلس أو محكمة، ما يحدّ من فرص التمركز القوي للنواب المرتبطين بحزب "فيدس" بقيادةفيكتور أوربان.
- تقاعد القضاة عند السبعين: تُلزم القوانين الجديدة قضاةالمحكمة الدستورية بالتقاعد عند بلوغهم السبعين عاماً، وهو ما سيؤثر على أربعة من أصل خمسة عشر قاضياً، من بينهم رئيس المحكمةبيتر بولت، المعروف بارتباطه الوثيق بسياسات أوربان السابقة.
- آلية عزل الرئيس: تنص التعديلات على أن أي طلب لعزل الرئيس يتطلب موافقةثلثي أعضاء البرلمان بالإضافة إلى اعتمادالمحكمة الدستورية، ما يضع إجراءات معقدة أمام أي محاولة لتغيير رئاسة الدولة دون استيفاء الشروط الدستورية الصارمة.
نتيجة التصويت داخل البرلمان
تمت المصادقة على التعديلات بأغلبية139 نائباً، ما يحقق النصاب المطلوب وهوثلثي أعضاء البرلمان. امتنعتستة نواب عن الإدلاء بأصواتهم، معظمهم من أعضاء حزب "فيدس" الذين أبدوا مقاطعة صريحة للقرارات التي يرونها تهديداً لمصالحهم. وقد أشار بعض النواب إلى أن هذه الخطوة قد تُعَدّ "تجاوزاً للحدود الدستورية" وتستدعي مراقبة دقيقة من قبل المجتمع الدولي.
الخطوات القانونية لعزل الرئيس سوليوك
على الرغم من أن التعديلات تحتاج إلى توقيعرئيس الدولة لتصبح سارية المفعول، أعلنرئيس الوزراء ماجار أنه سيشرع في إجراءات مساءلة الرئيس إذا رفض التوقيع. وفقاً للنظام الدستوري للمجر، تتطلب عملية العزل موافقةثلثي النواب ومراجعةالمحكمة الدستورية، ما يعني أن ماجار سيحتاج إلى تأمين دعم واسع داخل البرلمان لتجاوز أي معارضة محتملة من مؤيديتاماش سوليوك.
في حال تم شغر منصب الرئاسة، ستتولىرئيسة البرلمان أغنيس فورستهوفر مهام الرئيس بالإنابة حتى يتم انتخاب رئيس جديد، علماً بأن رئاسة المجر تُنتخب من قبل البرلمان لفترة مدتهاخمسة أعوام.
خلفية الصراع بين ماجار وأوربان
تجدر الإشارة إلى أن الصراع الحالي يعود إلى الانتخابات البرلمانية التي جرت في أبريل/نيسان الماضي، حيث هزمفيكتور أوربان بعد ستة عشر عاماً من الحكم، ما أدى إلى انتهاء فترة حكمه التي اتسمت بانتشار الفساد وتقييد الحريات. عقب هزيمته، تولىبيتر ماجار رئاسة الحكومة، معلناً عن برنامج إصلاحي واسع يهدف إلى "إزالة المافيا" التي يصفها بأيديولوجية أوربان المتشددة، وإعادة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي إلى مسارها الطبيعي.
اتهامات ماجار لسوليوك واستخدام الأموال العامة
قبل التصويت على التعديلات، هاجم ماجارتاماش سوليوك عبر سلسلة من المنشورات على منصة "فيسبوك" متهمًا إياه بإساءة استخدام الأموال العامة خلال رحلات رسمية إلىالمملكة المتحدة والولايات المتحدة خلال العام الجاري. وأكد ماجار أن هذه الاتهامات تستند إلى وثائق رسمية، مشيراً إلى أن الفساد المالي يُعدّ أحد الأعمدة التي يبنى عليها "نظام أوربان" الذي يسعى الآن إلى تفكيكه.
ردود الفعل داخل المجتمع المدني والخبراء
أعربت عدة جمعيات حقوقية ومؤسسات قانونية عن قلقها من سرعة تنفيذ هذه التعديلات، محذرةً من أن تقليل عدد القضاة وتحديد سن التقاعد قد يضعف استقلاليةالمحكمة الدستورية ويقوض مبدأ سيادة القانون. وقال أحد الخبراء الدستوريين إن "إجبار القضاة على التقاعد قبل انتهاء مهامهم قد يُستغل كأداة سياسية لتغيير ملامح القضاء".
في الوقت نفسه، أشارت بعض الأصوات المؤيدة للحكومة إلى أن هذه الخطوات ضرورية لإنهاء ما وصفته بـ"المافيا" التي كانت تسيطر على مؤسسات الدولة، مؤكدةً أن إعادة توجيه السياسة نحو أوروبا سيعزز من فرص الحصول على تمويلات أوروبية بقيمةستة عشر مليار يورو كانت متجمدة خلال عهد أوربان.
آفاق المستقبل والمسار الدستوري
مع استمرار المناقشات داخل البرلمان وخطوات ماجار المتسارعة لتطبيق التعديلات، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان سيستطيع الرئيستاماش سوليوك إيقاف العملية بتوقيعه على التعديلات أم سيواجه عزلًا فعليًا. كما أن ردود الفعل الدولية، خاصة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ستلعب دورًا محوريًا في توجيه مسار المفاوضات وتحديد ما إذا كانت المجر ستستعيد ثقة شريكها الأوروبي أم ستظل في مفترق طرق سياسي حساس.
إن ما يحدث الآن في برلمان بودابست لا يقتصر على تعديل نصوص دستورية فحسب، بل يمثل تحولًا جذريًا في موازين القوة داخل الدولة، وقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الإصلاحات أو، على العكس، قد يفضي إلى مزيد من الانقسام السياسي إذا ما لم تُستوفَ الضمانات الدستورية اللازمة لضمان استقرار مؤسسات الدولة.











