الاقتصاد الإيراني في مواجهة أزمة مالية عميقة

الاقتصاد الإيراني في مواجهة أزمة مالية عميقة
في ظل الحرب التي تعرفها إيران حاليا، يبدو أن الاقتصاد الوطني يتعرض لتدمير واسع النطاق. إذا نظرنا إلى الحرب بوصفها مجرد مواجهة عسكرية، فإننا نغفل عن أهم ساحات المعركة: الاقتصاد. فما يجري اليوم ليس مجرد صدام عسكري، بل هو حرب شاملة على الأسس الاقتصادية للبلاد.
بناء الاقتصاد المحلي
لقد سعت إيران، بالاستناد إلى أوراقها الجيوسياسية، ولا سيما موقعها الإستراتيجي في مضيق هرمز، إلى توجيه رسالة واضحة إلى العالم: أمن الطاقة لا يمكن ضمانه من دون مراعاة مصالح طهران. لكن السؤال الجوهري هنا هو: هل توجد، إلى جانب هذه اللعبة عالية المخاطر على المستوى الدولي، خطة لتعزيز قدرة الاقتصاد الداخلي على الصمود أيضا؟
ضرب الاقتصاد الإيراني
تدمير النسيج الحضري والسكني ليس مجرد أزمة إنسانية، بل أزمة مالية كاملة الأركان. فقد وعدت الحكومة والبلديات بالتعويض، لكن من أي موارد؟ ففي اقتصاد كان يعاني قبل الحرب أصلا من عجز مزمن في الموازنة وضغوط تضخمية، فإن الالتزامات الجديدة تعني عمليا تعميق الفجوة المالية نفسها.
البطالة في الطريق
النتيجة الطبيعية لهذه الظروف هي ارتفاع البطالة. فتعطل الوحدات الإنتاجية أو خفض طاقتها يعني فقدان وظائف. وفي هذا السياق، يجد الضمان الاجتماعي نفسه في خط المواجهة الأول للأزمة، حيث يتعين عليه الاستجابة لموجة متزايدة من الطلب على تأمين البطالة. سيفرض ارتفاع هذه الالتزامات عبئا ماليا إضافيا على الدولة وصناديق التأمين، وهو ضغط يعود في النهاية إلى النقطة الحساسة نفسها: العجز في الموازنة.
التجربة الأخيرة
نظرة إلى شهري فبراير/شباط ومارس/آذار الماضيين وهما آخر شهرين من العام الإيراني الماضي تظهر أن مؤشرات هذا الضغط المالي كانت قد بدأت بالظهور مسبقا. فقد اضطرت الحكومة، خلال الشهرين الآنفين، إلى السحب من صندوق التنمية الوطنية لتأمين الموارد اللازمة لدفع القسائم السلعية للأسر، وهو إجراء يكشف بحد ذاته عن محدودية الموارد في موازنة السنة الجارية.
ضرورة متمم الموازنة
في ظل هذه الظروف، فإن أحد الخيارات الواقعية يتمثل في الاتجاه نحو كشف الوضع المالي بشفافية، عبر تقديم مشروع قانون متمم الموازنة إلى البرلمان. ويمكن للحكومة، استنادا إلى الظروف الخاصة والاستثنائية التي فرضتها الحرب، أن تطلب إعادة النظر في أرقام الموازنة، وتحديد موارد جديدة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق. وهذه الخطوة، وإن كانت لا تحل المشكلة بمفردها، فإنها قد تشكل تقدما في اتجاه الانضباط المالي، ومنع القرارات الخفية والمكلفة.
خلاصة الأمر
ما يجري اليوم في الاقتصاد الإيراني ليس مجرد انعكاس لحرب عسكرية، بل بداية أزمة مالية عميقة تظهر في صورة عجز في الموازنة، وتراجع الإيرادات، وارتفاع الالتزامات. والسؤال المحوري هنا هو: هل ستجد الحكومة الإيرانية إصلاحات صعبة أم سيواصل اختيار المسارات القصيرة الأجل والمكلفة؟ الاقتصاد الإيراني الآن تحت النار، وهذه المرة فإن خط المواجهة الأول في هذه الحرب ليس الحدود فقط، بل الموازنة والاقتصاد الوطني أيضا.











