العودة العكسية في السودان: معركة إعمار الديار بعد الحرب

تُقدّم حكايةسامي، أحد العائدين إلى الخرطوم بعد انتهاء الحرب، صورة حية عن المعاناة التي يعيشها الملايين من السودانيين الذين اختاروا العودة إلى مدنهم المدمرة. بجوار ما كان صالون منزله، يقف اليوم بين خرائب تزيّنها أشلّة الرصاص، محاولًا إعادة تأسيس حياة دُمرت بالكامل.
معركة العودة: بين البناء والدمار
العودة العكسية، كما يُعرف المصطلح، تُقدّر بأكثر من2 مليون سوداني عادوا إلى العاصمة الخرطوم رغم التحديات التي تُهدّد مصيرهم. أشارسامي في تصريحاته إلى صعوبة العودة: "عندما وصلت، كان بيتي مهدّمًا. لم أكن أملك ما يكفي لإعادة بنائه، لكنني جمعت القليل من السواعد الصديقة وبدأت في وضع لبنات جديدة".
الحرب التي شهدها السودان لم تدمّر فقط المنازل، بل أزالت الجذور. وفقًا لبيانات مؤسسةالهجرة الدولية، تُقدّر أعداد النازحين داخليًا بـ9 ملايين شخص، بينما تجاوز عدد اللاجئين الحدود السودانية4 ملايين، هاربين من الصراع إلى بلدان الجوار.
الخرائط المتبدلة: نزوح جديد وتحديات إعمار
تظل ولايةشمال دارفور، وخاصة منطقةطويلة، مثالًا صارخًا على الظروف الإنسانية الصعبة. المخيمات هناك لا تُخفي فقط آثار اللجوء، بل تُعبّر عن الفقدان المفاجئ وغياب الأمان. في المقابل، تشهد ولايةالنيل الأزرق موجات نزوح جديدة مع تصاعد المواجهات المتقطعة، مما يُضيف أسماء جديدة إلى قائمة الضحايا.
ولم تكن العودة العكسية سهلة. وفقًا لتقديرات مؤسسة الهجرة الدولية، تراجع عدد النازحين داخليًا من11 مليون عام 2025 إلى8 ملايين في 2026، مما يدل على رغبة قوية في العودة إلى الأراضي المدمرة. لكن هذا العودة تحمل تحديات ضخمة: غلاء أسعار مواد البناء، نقص الموارد، وصعوبة تحويل الركام إلى منازل صالحة للعيش.
معركة صامتة: إعادة البناء بالأدوات المحدودة
العائدون، بحسب تقرير القناة، لا يخوضون معركة إعمار بحسب، بل "اختبار وجودي". تُقدّر التكاليف المطلوبة لإعادة بناء حي واحد في الخرطوم بـمليار جنيه سوداني، وهو رقم يصعب على العائلات العادية تحمّله.
في ظل هذه الظروف، يعتمد العائدون على التعاون الجماعي. يُشارك جيرانهم في تفكيك الحطام، بينما يساهم الآخرون بمواد البناء المتوفرة. "البيت ليس مجرد منزل، بل هو جزء من تاريخنا. لا يمكننا العيش بعيدًا عن جذورنا"، يقولسامي، الذي يُضيف أن عددهم يُشكل جزءًا من "معركة صامتة" تهدف إلى إحياء الوطن.
مستقبل غير مضمون: بين العودة والانتظار
رغم التفاؤل العارم بين العائدين، تبقى المخاوف حاضرة. منظمة الهجرة الدولية أشارت إلى أن 40% من العائدين يواجهون خطرًا ملّحًا من العودة مرة أخرى إلى النزوح بسبب تجدد الصراعات.
التحدي الأكبر، بحسب التقرير، هو توفير الدعم الدولي والمحلي لبناء بنية تحتية قادرة على استيعاب هذه العودة. مع تصاعد الانتقاد الدولي حول تباطؤ المساعدات، يبقى السؤال: هل ستتمكن الدولة من تحويل هذه العودة العكسية إلى بداية جديدة أم أنها ستُصبح مجرد محاولة مؤقتة تُكرّس المعاناة؟
الخريطة السودانية اليوم، بحسب المراقبين، ليست فقط خريطة دمار، بل خريطة أمل. لكن هذا الأمل يحتاج إلى موارد، وحدة، وإرادة سياسية تُعيد تشكيل الظروف التي جعلت هذه العودة ممكنة.





