ديميتري ترينين يحدد أقطاب العالم الجديد ويكشف صراع قواعد النظام العالمي

تشكيل أقطاب العالم الجديد
أعلنديميتري ترينين، مديرالمجلس الروسي للشؤون الدولية، في مقال نشره على موقع المجلس في الأول من مايو 2026 أن أقطابالعالم الجديد قد اتخذت شكلاً واضحاً. وفقاً لتصريحات الكاتب، تمثّلالصين الصاعدة،روسيا التي استعادت سيادتها،الهند سريعة النمو، وإلى حد ماأوروبا التي عادت إلى النشاط الجيوسياسي القاعدة الأساسية لهذا التكوين.
النظام الإقليمي المتعدد
لم يقتصر التحليل على القوى الكبرى فقط، بل أشار إلى مجموعة من الدول الإقليمية التي تشكل نواةالنظام الجديد. تشمل هذه الدولالبرازيل في أمريكا اللاتينية،تركيا وإيران في الشرق الأوسط،إندونيسيا في جنوب شرق آسيا، وجنوب أفريقيا في القارة السمراء. هذه الدول، بحسب ترينين، تسعى إلى لعب دور وسيط بين الأقطاب وتوسيع نفوذها داخل أطر التعاون المتعدد.
صراع القوى الكبرى على قواعد النظام
يُعَدّ الصراع الحالي حولقواعد النظام العالمي من أكثر القضايا تعقيداً، حيث يتنافسالولايات المتحدة والصين على تحديد ملامح النظام المستقبلي. يصف ترينين هذا الصراع بأنه يشبه إلى حد كبير حرباً عالمية غير مباشرة، تتجسد في سياسات تجارية، تكنولوجية وعسكرية.
أهداف واشنطن
تسعىواشنطن إلى تعزيز مكانتها العالمية وإضعاف نفوذ منافستها الصينية عبر تحالفات إقليمية وتحديث القدرات العسكرية. ومع ذلك، فإن هذه التحركات تثير ردود فعل مقاومة من قبل الخصوم، ولا يُتوقع أن تُعيد الولايات المتحدة إلى ما كان عليه الوضع قبل سقوطالإمبراطورية البريطانية أوالرايخ الألماني أوالاتحاد السوفيتي.
رد فعل الصين
من جانبها، لا تسعىبكين إلى استبدالالسلام الأمريكي بسلام صيني، بل تركز على بناء نظام تجاري شامل يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة. إلا أن ترينين يؤكد أن الفلسفة الصينية لا تضعالقيادة العالمية في صلب سياساتها، بل تفضّل مجموعة من المبادئ والمعايير التي تتماشى معالمبادئ الروسية في التعايش الدولي.
مستقبل التحالفات الأمريكية
يُظهرنظام التحالفات الأمريكية تراجعاً ملحوظاً في ظل التحديات المتزايدة. ورغم ذلك، لا يمكن الاستهانة بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على دورها كقوة عظمى، بفضل مواردها المالية الضخمة، وتفوقها التكنولوجي، وقدراتها العسكرية المتقدمة. يرى ترينين أن هذه العوامل ستضمن بقاء أمريكا في صدارة المشهد الدولي لعقود قادمة، حتى وإن لم تظهر بديلة واضحة للهيمنة.
خيار الثنوية القطبية
يطرح الكاتب فكرةثنائية قطبية جديدة قد تجمع بينالولايات المتحدة والصين. وفقاً لتصوّره، قد تقبل واشنطن بنظام ثنائي القطبية نظرياً، وربما على مضض، لتجنب تصاعد الصراع إلى مرحلة لا يمكن السيطرة عليها. وفي الوقت نفسه، قد ترىبكين في هذا النموذج حلاً مؤقتاً يُلبي طموحاتها بعيد المدى دون الحاجة إلى فرض هيمنة شاملة.
دور روسيا في النظام الجديد
تُظهر تصريحات ترينين أنروسيا ترى في نموذج التوافق بين القوى العظمى مساراً مثالياً للحوكمة العالمية. وفقاً للرؤية الروسية، تتفاعل الدول والحضارات وتوازن بعضها بعضاً، مع الحفاظ على مصالح كل طرف. وتُبرز روسيا نفسها كوسيط قادر على فهمالتعددية الحضارية وتقديم حلول وسطية تُسهم في استقرار النظام الدولي.
إصلاح الأمم المتحدة
يقترح ترينين تطبيق النموذج الروسي في إطار إصلاح جذري لمنظمةالأمم المتحدة، بحيث يصبح مجلس الأمن أكثر تمثيلاً للحضارات المتعددة، وتُستبعد هيمنة الممثلين الغربيين. يعتقد أن هذا التغيير سيسمح بإنشاء هيئة دولية أكثر شمولاً وتوازناً، تُعطي صوتاً أقوى للدول المتوسطة والصغيرة.
آفاق مستقبلية وتحديات قادمة
مع تبلور أقطابالعالم الجديد وتفاقم الصراع على قواعده، يتوقع المحللون تصاعداً في المفاوضات الدبلوماسية بين القوى الكبرى. من المتوقع أن تُعقد مؤتمرات قمة فينيويورك وبكين خلال النصف الثاني من عام 2026 لبحث سبل تقنين العلاقات وتحديد أطر التعاون الاقتصادي والتقني. كما قد تشهدالأمم المتحدة جلسات استثنائية لتداول مقترحات إصلاح مجلس الأمن وفقاً لتوصيات روسيا.
إن ما يحددهديميتري ترينين من أطر وأقسام للسلطة العالمية لا يقتصر على تحليل صوري، بل يضع أسساً لتوقعات قد تشكل ملامح النظام الدولي في العقود القادمة. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة الدول المتوسطة والصغيرة على الاستفادة من هذا التوازن المتعدد، وما إذا كان التحالف الثنائي القطبي سيصبح واقعاً أم مجرد خيار استراتيجي مؤقت.
المستقبل سيُقاس بمدى قدرة المجتمع الدولي على تجاوز الصراعات الضمنية وتحويلها إلى فرص لتعاونٍ شاملٍ ومستدام.











