تداعيات الحرب على نفوذ إيران في أفريقيا وتحليل الأثر

مقدمة الخبر
كشفالباحث بدر حسن شافعي، في دراسة صادرة عنمركز الجزيرة للدراسات، أن الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب إيران قد أحدث تراجعًا ملحوظًا فينفوذ إيران في أفريقيا. وأوضح الباحث أن الضغوط المتصاعدة على طهران في الشرق الأوسط انتقلت إلى ساحة القارة الأفريقية، حيث تضاءلت القدرات الإيرانية على الحفاظ على شبكاتها السياسية، الأمنية، الاقتصادية والدينية. وتظهر الدراسة أن الفجوة المتصاعدة قد تجذب قوى إقليمية ودولية أخرى إلى سعيها لملء الفراغ المتبقي.
الخلفية السياسية للنفوذ الإيراني في أفريقيا
سعي طهران إلى كسر العزلة الدولية
منذ تسعينات القرن الماضي، سعتإيران إلى توسيع تحالفاتها خارج حدود الشرق الأوسط لتقليل الاعتماد على الدعم الغربي. وقد استغلت العاصمة السياسية في القارة الأفريقية وزنها التصويتي في مؤسسات الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية كالاتحاد الأفريقي.
الدبلوماسية القمم والزيارات الرسمية
اعتمدت طهران على أسلوب الدبلوماسية القمم، فقام عدد من الرؤساء الإيرانيين ومبعوثيهم بزيارات روتينية إلى دول مثلالسودان وإثيوبيا وإريتريا، ما أسفر عن حصولها على مواقف داعمة أو متعاطفة في ملفات حساسة مثل الملف النووي.
تأثير الدعم السياسي في المحافل الدولية
تشير الدراسة إلى أن بعض الدول الأفريقية اختارت الوقوف إلى جانب طهران أو الامتناع عن التصويت ضد مواقفها في المنظمات الدولية، وهو ما وفر لإيران هامشًا دبلوماسيًا مهمًا في مواجهة العقوبات الغربية.
الأبعاد الأمنية والعسكرية
المواقع الجيوستراتيجية في القرن الأفريقي
تُعَدّ منطقةالقرن الأفريقي ومضيقباب المندب وميناءعدن نقاطًا حيوية للتحكم في ممرات الملاحة البحرية. استفادتإيران من هذه المواقع لتقوية علاقاتها الأمنية مع دول محلية، خاصة عبر توفير طائرات مسيرة وتقنيات تدريب عسكري.
علاقات طهران مع دول الساحل
في دول الساحل مثلالنيجر ومالي وبوركينا فاسو، قدمت طهران مساعدات عسكرية تشمل أنظمة مراقبة جوية وطائرات مسيرة، إلى جانب تبادل معلومات استخبارية. هذه الدعم أتاح لإيران الوصول إلى موارد طبيعية كالذهب واليورانيوم، وهو ما يعزز حساباتها الإستراتيجية.
تراجع القدرة العسكرية نتيجة الحرب
أدى استهداف البنية التحتية العسكرية الإيرانية، بما فيها مصانع الطائرات المسيرة والصواريخ، إلى تقليل قدرة طهران على تزويد حلفائها الأفارقة بالمعدات اللازمة. ومع تراجع الدعم اللوجستي في بحرالأحمر والقرن الأفريقي، انخفضت القدرة الإيرانية على الحفاظ على حضور أمني فعال.
البعد الاقتصادي
حجم السوق الأفريقية وإمكاناته
تُقدر القارة الأفريقية بأكثر منمليار ونصف المليار نسمة، ما يجعلها سوقًا استهلاكيًا ضخمًا. سعتإيران إلى استغلال هذه القاعدة السكانية لتوسيع صادراتها من منتجات الطاقة والسلع المصنعة، بالإضافة إلى تأمين مصادر المواد الخام الضرورية لصناعاتها الوطنية.
المبادرات الاقتصادية والتجارية
نظمت طهران عددًا من المعارض والمنتديات الاقتصادية في عواصم أفريقية، ساعية إلى إبرام اتفاقيات تجارية مع دول مثلكينيا وتنزانيا. رغم أن حجم التبادل التجاري ظل محدودًا مقارنةً مع علاقات إيران مع دول أخرى، إلا أن النمو الملحوظ في السنوات الأخيرة يدل على رغبة طهران في تنويع مصادر دخلها.
أثر العقوبات على النشاط التجاري
أدت إغلاق مضيقهرمز وزيادة الضغوط الاقتصادية على طهران إلى تراجع حركة البضائع والاستثمارات الإيرانية في أفريقيا. كما أن ارتفاع أسعار النفط أثر سلبًا على اقتصادات بعض الدول الأفريقية، ما جعلها تتجه إلى مصادر طاقة بديلة وتقلل من الاعتماد على إيران.
النفوذ الديني والثقافي
دور الجامعات والمؤسسات التعليمية
أسستإيران شبكة من الفروع الجامعية، أبرزهاجامعة المصطفى العالمية، التي انتشرت فروعها في عدة دول أفريقية. وفرت هذه المؤسسات فرصًا للآلاف من الطلاب الأفارقة للالتحاق بالدراسة في طهران، ما ساهم في بناء علاقات طويلة الأمد مع جيل جديد من القادة المحتملين.
المراكز الثقافية والدينية
قامت السفارات الإيرانية بإنشاء مراكز ثقافية ودينية تهدف إلى نشر الثقافة الإيرانية وتعزيز المذهب الشيعي. هذه المراكز لعبت دورًا مهمًا في تكوين شبكات اجتماعية وفكرية تدعم سياسات طهران في القارة.
تراجع الدعم الثقافي نتيجة الأزمة
أظهر الباحث أن الأزمة الاقتصادية داخلإيران أدت إلى تقليص التمويل المخصص لهذه المؤسسات، ما أدى إلى انخفاض عدد المنح الدراسية وإغلاق بعض المراكز الثقافية. هذا التراجع فتح الباب أمام دول أخرى، مثلتركيا وبعض الدول الخليجية، لتوسيع حضورها الديني والثقافي في أفريقيا.
تأثير الحرب على كل محور من المحاور
الانخفاض السياسي
أظهر التحليل أن معظم الدول الأفريقية اتخذت موقفًا حذرًا، متجنبة الانحياز الصريح إلى طهران. وقد انعكس ذلك في تقليل الأصوات الداعمة لإيران داخل المنظمات الإقليمية، ما أضعف القدرة الدبلوماسية لإيران على التأثير في القرارات الدولية.
الانخفاض الأمني والعسكري
فقدت طهران القدرة على توفير الدعم العسكري المتخصص، مما دفع بعض الدول الأفريقية إلى البحث عن بدائل منروسيا والصين لتلبية احتياجاتها الأمنية. كما تضاءلت أنشطة التهريب واللوجستيات التي كانت تديرها إيران في بحرالأحمر.
الانخفاض الاقتصادي
تراجعت الصادرات الإيرانية إلى أفريقيا نتيجة للضغوط الاقتصادية، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة وضع عبئًا إضافيًا على دول أفريقيا المستوردة للنفط، ما دفعها إلى تنويع مصادر الطاقة.
الانخفاض الديني والثقافي
تقلصت المنح الدراسية والبرامج الثقافية الإيرانية، ما أدى إلى ضعف الشبكات الدينية التي كانت تعتمد عليها طهران لتوسيع نفوذها المذهبي.
فرص القوى المنافسة
تدخلروسيا والصين
مع تراجع القدرة الإيرانية، سعتروسيا إلى تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في دول مثلالسودان وإثيوبيا، بينما استغلتالصين فرص الاستثمار في مشاريع البنية التحتية والطاقة.
صعودتركيا والدول الخليجية
استغلتتركيا الفجوة المتصاعدة لتوسيع مراكزها الثقافية وتعزيز علاقاتها التجارية مع دول الساحل، بينما سعت دول الخليج إلى استقطاب بعض الدول الأفريقية عبر مشروعات استثمارية وتنموية.
آفاق المستقبل
يؤكدبدر حسن شافعي أن استعادةإيران لنصيبها من النفوذ في أفريقيا ستتطلب تحسين الأوضاع الاقتصادية الداخلية وتخفيف العقوبات الدولية. ومع ذلك، يبقى المستقبل غير مؤكد، حيث قد تستمر القوى المنافسة في تعزيز تواجدها، ما يخلق مشهدًا جيوسياسيًا معقدًا في القارة.
إن ما تشهده أفريقيا اليوم من تحول في موازين النفوذ يعكس تداخل العوامل الدولية والإقليمية، وقد يحدد مسار العلاقات بين القارة وأطراف الصراع في السنوات القادمة.





