---
slug: "hnr5mo"
title: "تآكل الانضباط داخل الجيش الإسرائيلي: ما وراء الحوادث والوقائع"
excerpt: "يتسارع تآكل الانضباط داخل الجيش الإسرائيلي، في ظل تراكم حوادث ووقائع تشير إلى وجود اختلال واضح. تعكس هذه الظواهر تآكلا مؤقتا أو امتدادا لخصائص راسخة في تكوين الجيش الإسرائيلي. ما هو الخلل الذي يثير قلق المؤسسات الإسرائيلية؟"
category: "general"
imageUrl: "https://cdn.hatrek.co/imgs/29ec8751bad12ba1.webp"
readTime: 3
---

حتى يومنا هذا، تعكس روح الجيش الإسرائيلي درجة معينة من التوتر بين طبيعة الجيش والميليشيا. وبرزت مؤشرات على تآكل الانضباط داخل الوحدات القتالية، في ظل عدة حوادث ووقائع تشير إلى وجود اختلال واضح. وعلى الرغم من ذلك، لا يكفي التوقف عند السياق العملياتي الراهن، إذ يتطلب الأمر العودة إلى البنية التأسيسية للجيش الإسرائيلي، وهو ما يساعد فيه كتاب جماعي صدر عام 2019 نُشر بعنوان "دليل راوتليدج للأمن الإسرائيلي"، كتب فصوله نخبة من الخبراء الأمنيين والعسكريين والأكاديميين الإسرائيليين.

نشأ الجيش الإسرائيلي في الأساس عبر اندماج 4 ميليشيات مسلحة: الهاغاناه والبالماخ والإرغون وشتيرن. وبرزت هذه الميليشيات خلال فترة الانتداب البريطاني، حيث اجتذبت الشباب والشابات من مجتمع "اليشوف" اليهودي الذي عاش في فلسطين قبل إعلان قيام دولة إسرائيل. وكان لافتا في الفصل الثالث الذي كتبه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي بين عامي 2011-2013 يعقوب عميدرور، إشارته إلى أن المؤسسة العسكرية والجيش الإسرائيلي لا يزالان ملتزمين بالعديد من المبادئ التوجيهية وإجراءات التشغيل التي صيغت مطلع الخمسينيات بعد وقت قصير من نهاية حرب 1948.

تستند الثقافة العسكرية للجيش الإسرائيلي إلى ميليشيات ما قبل الدولة، والتي نقلت الكثير من الحمض النووي التنظيمي له. وتُعزز هذه الميليشيات من خلال نظام تجنيد إلزامي في سن مبكرة من عمر 18 إلى 21 عاما، ما يعني تجنيد شباب صغير محدود الخبرة في الوحدات القتالية، مع تسريع ترقيتهم إلى مواقع قيادية في مراحل مبكرة دون استكمال التكوين النظري أو الاطلاع المنهجي على التاريخ العسكري إلا بعد سنوات من الخدمة العملياتية.

تواجه المؤسسة العسكرية تحديات كثيرة في فرض آليات المحاسبة داخلها. وبرزت هذه التحديات في حادثة سجن "سدي تيمان" قرب بئر السبع، حيث تم الاحتفاظ بإسرى من قطاع غزة في المعتقل، وتوالي الشهادات عن انتهاكات مريعة بحقهم أدت لوفاة العشرات منهم، وصولا لتداول فيديو تعذيب وحشي لأحد الأسرى الفلسطينيين.

وشهدت حادثة سدي تيمان تآكل قدرة المؤسسة العسكرية على فرض آليات المحاسبة داخلها. ورُبت القضية على أساس رفض لسلطة القانون العسكري داخل الجيش نفسه. وتمت شيطنة الشرطة العسكرية، وشُيِّعت المدعية العسكرية يفعات يروشالمي بتهمة الكذب وتسريب فيديو الاعتداء على الأسير الفلسطيني، حتى أنها أُقيلت من منصبها وجُردت من رتبتها العسكرية رغم تقدمها باستقالتها، واحتُجزت لفترة ثم وُضعت قيد الإقامة الجبرية.

ويشير نمط تآكل الانضباط في سلوك بعض الوحدات العسكرية إلى استخدام مفرط للقوة والتسبب في قتل مدنيين فلسطينيين في ظروف لا تنطوي على تهديد. وقد دفع ذلك قيادة الجيش الإسرائيلي إلى نقل كتيبة نيتساح يهودا من الضفة الغربية إلى هضبة الجولان، ثم إلى قطاع غزة. وتشير التقييمات إلى حجم التغير في سلوك بعض الوحدات الميدانية، حيث باتت تتصرف في بعض الحالات بشكل أقرب إلى مليشيات مستقلة تنفذ عملياتها دون التزام بإجراءات القتال.

وتبرز كتيبة نيتساح يهودا بوصفها أحد النماذج الدالة على الإشكالات المرتبطة بالانضباط داخل الجيش الإسرائيلي. وقد دفعت هذه القضايا رئيس الأركان إيال زامير إلى عقد اجتماع مع كبار القادة في مايو/أيار، تحدث خلاله عن أن الجيش يواجه تراجعا في الالتزام بـ"قيمه"، ووصف ما يحدث بأنه يمثل وصمة عار أخلاقية.

ومنذ ذلك الحين، استجابة المؤسسات محدودة، وقد اقتصرت في كثير من الحالات على التعامل مع الوقائع التي أثارت صدى دوليا، بينما جرى الاكتفاء في بقية الحالات بإجراءات جزئية أو تصريحات عامة حول تحسين الانضباط. ويتسارع تآكل الانضباط داخل الجيش الإسرائيلي، في ظل تراكم حوادث ووقائع تشير إلى وجود اختلال واضح.
