باكستان تعمل على تهدئة الأزمة بين واشنطن وطهران

في الوقت الذي تقترب فيه هدنة الأسبوعين بينواشنطن وطهران من نهايتها، تتكثف التحركات الدبلوماسية فيإسلام آباد بحثا عن اختراق سياسي يجنب المنطقة انزلاقا أوسع. ويتوقعمحمد عبد الباسط، سفيرباكستان السابق لدىألمانيا والمتحدث باسم وزارة خارجيتها سابقا، أن تثمر هذه الجهود في تثبيت تهدئة مرحلية تمهد لاتفاق أشمل يعالج جذور الأزمة.
وكان الرئيسدونالد ترمب قد أعرب عن أمله في التوصل إلى اتفاق "عادل"، ملوحا في الوقت نفسه بعواقب غير مسبوقة إذا امتنعتإيران عن التفاوض، في إطار ما وصفه مسؤولون أمريكيون بسياسة "الغموض الإستراتيجي". في المقابل، بدتطهران أكثر تشددا، إذ أكدت على لسان متحدث خارجيتها أنها لا تملك خطة حاليا لجولة جديدة من المفاوضات، مشترطة تغيير سلوكواشنطن بالتوازي مع تحذيرها من تداعيات احتجاز السفينة "توسكا" واعتبار ذلك انتهاكا لوقف إطلاق النار.
الوساطة الباكستانية
وضمن هذا المشهد، يرىعبد الباسط أن "التاريخ يثبت أن جميع الحروب تنتهي في نهاية المطاف"، معتبرا أن الفرصة التي وفرتهاباكستان يجب أن تُستثمر سريعا، وإلا فإن البديل سيكون مزيدا من الفوضى التي لن تقتصر على طرفي النزاع بل ستمتد إلى الإقليم والعالم. وبحسب تقديراته، فإن التحركات الحالية تشير إلى احتمال وصول الوفدين الأمريكي والإيراني إلىإسلام آباد تمهيدا لجولة جديدة من المحادثات، رغم نفي وسائل إعلام إيرانية رسميا إرسال أي وفد حتى الآن.
الأولويات الأساسية
ويحددعبد الباسط أولويتين أساسيتين لنجاح الوساطة تتمثلان في معالجة ملفمضيق هرمز، إذ يرى أن ما قامت بهإيران من إغلاق للمضيق وكذلك الحصار الأمريكي خلال فترة وقف إطلاق النار، كلاهما يخالف قواعد القانون الدولي ويجب التراجع عنهما لتهيئة بيئة التفاوض. وفي هذا الإطار، يعتقد أن الخطوة الأولى التي تعمل عليهاباكستان تتمثل في إعادة فتح المضيق مقابل رفع الحصار باعتبار ذلك مدخلا عمليا لخفض التوتر، قبل الانتقال إلى المرحلة التالية المتمثلة في تمديد وقف إطلاق النار لفترة إضافية قد تمتد إلى شهرين.
الاتفاق الإطاري
ولا يتوقععبد الباسط أن تُحل أزمة ممتدة منذ نحو47 عاما في جولة أو جولتين، مشيرا إلى أن الهدف الواقعي في المرحلة الحالية هو تثبيت تهدئة مؤقتة تتيح للطرفين بناء الثقة تدريجيا والانخراط في مفاوضات أعمق وأكثر شمولا. وفي موازاة ذلك، تسعى الوساطة الباكستانية، وفق تقديره، إلى بلورة "اتفاق إطاري" يشمل الملفات الأكثر حساسية، بدءا من أمن الملاحة فيمضيق هرمز مرورا بالبرنامج النووي الإيراني وعمليات التخصيب، وصولا إلى العقوبات الاقتصادية والأصول المجمدة.
التطورات المستقبلية
ورغم التباين الواضح في الخطاب السياسي، يرىالباسط أن الظروف مهيأة نسبيا لاستمرار التهدئة، موضحا أن التصريحات العلنية -خاصة من الجانب الأمريكي- قد لا تعكس دائما النيات الحقيقية، بل تُستخدم أحيانا كأدوات ضغط ضمن مسار تفاوضي أوسع. ويلفتعبد الباسط إلى أنباكستان تتمتع بموقع فريد يؤهلها للعب هذا الدور بحكم علاقاتها الجيدة معإيران وصلاتها الوثيقة بدولالخليج إلى جانب قنوات التواصل القائمة مع الإدارة الأمريكية، ما يمنحها قدرة نسبية على تقريب وجهات النظر.
الاستثمار في التهدئة
ويضيف أن استثمارإسلام آباد في هذا المسار ليس رمزيا، بل يعكس إدراكا لمخاطر استمرار التصعيد، خاصة في ظل التداخل بين أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات البحرية، وهو ما يجعل أي اضطراب فيمضيق هرمز ذا تداعيات دولية واسعة. وعلى صعيد الحسابات الداخلية، يرىالباسط أن كلا الطرفين لديه دوافع للتهدئة، إذ يواجهترمب ضغوطا سياسية داخلية مع تراجع شعبيته، بينما لا ترغبإيران في تحمل كلفة إضافية من الدمار الذي قد يطال البنى التحتية الحيوية.
الإمكانية الحل
وفيما يتعلق بإمكانية حل أزمةالمضيق سريعا، يرجح أن يتم ذلك قبل انطلاق المفاوضات، مشيرا إلى أنطهران ربطت مشاركتها برفع الحصار، في حين تعملباكستان "بشكل مكثف خلف الكواليس"، بما في ذلك اتصالات مباشرة مع القيادة الأمريكية. ويتوقععبد الباسط أن التراجع قد يتم دون إعلان رسمي في إطار تفاهمات غير معلنة تتيح لكل طرف حفظ ماء الوجه، مؤكدا أن غياب الرغبة في استمرار الحرب لدى الطرفين قد يشكل العامل الحاسم لإنجاح الوساطة. وستظل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مسار هذه الأزمة والجهود المبذولة لتهدئة الوضع في المنطقة.







