افتتاح مكتبة "العنقاء" في غزة: من وصية كتبت لكتب إلى معهد ثقافي مقاوم

غزة، في قطاع يعيش تحت وطأة الحرب، أصبحت الكتب مصدرا للفراغ والفضول، بعد أن سدت أذهان الناس عنها في محاولة للبقاء. ولكن في مدينة غزة، حيث تتقاطع الخسارة مع الذاكرة، يمكننا الاعتقاد بأن الكتب لا تُكتب الوصايا للأحياء وحدهم. هنا، يمكننا ملاحظة كيف تتبدد الأشياء سريعا، والرغبة في الحفاظ على الذاكرة المكتوبة تترسخ في وجوه الناس.
كان عمر حمد، مؤسس مكتبة "العنقاء"، يدوّن كلمات قصيرة في لحظة نزوح مثقلة بالخوف. كان ذلك في محاولة أخيرة لحماية ما تبقّى من ذاكرة مكتوبة، وسط المدينة التي تتبدد فيها الأشياء سريعا. وعندما افتتحت مكتبة "العنقاء"، بدا عمر حمد مشدودا إلى كتبه التي شُردت معه 13 مرة قبل أن تجد أخيرا مكانا تستقر فيه. وأشار إلى أن هذه الكتب جزء من شخصيته وكياني وروحي، وأخيرا أعطيتهم مكانة خاصة تليق بهم.
تؤكد المكتبة أهمية الحفاظ على المعرفة والثقافة وسط الحرب. يحتوي المكان على أكثر من 6 آلاف كتاب، تتنوع بين العلمية واللغوية والصحافة والإعلام والتربية والإدارة والمحاسبة والاقتصاد باللغتين العربية والإنجليزية. كما تحتضن أمهات الكتب في الفقه وعلوم الحديث، وسلاسل الأحاديث الصحيحة وشروحها، وكتب علوم القرآن والتفاسير والعقيدة، فضلا عن الأدب العربي والمترجم من لغات عدة.
وتسعى المكتبة إلى إيصال معرفة حقيقية وصادقة تعكس صورة أهل قطاع غزة ودورهم في المجتمع. كما تضم مجموعة لافتة من الكتب التي جرى إنقاذها من مكتبات مدمرة، علمية وتاريخية وثقافية، إلى جانب مجموعة خاصة بتاريخ غزة، من بينها مجموعة نادرة بعنوان "إتحاف الأعزة في تاريخ غزة". وتؤكد القائمون على المكتبة أن الكتب التي وصلت مساهمات عن أرواح الشهداء شكلت دافعا أساسيا في إنشائها.
يؤكد القائمون على المكتبة أن الكتب التي وصلت مساهمات عن أرواح الشهداء شكلت دافعا أساسيا في إنشائها، وأسهمت في تمكينها من الاستمرار وتوسيع محتواها. وعندما افتتحت المكتبة، جذبت روادا رأوا فيها أكثر من مكان للقراءة. وتصف نبال أبو راس، مهندسة أنظمة حاسوب، دخولها الأول إلى المكتبة كما لو أنها تعبر من ضجيج الخارج إلى فسحة أكثر هدوءا واتساعا.
وتعتبر نبال أن المعرفة والكتابة "سلاح لا حدود له"، وأن الإنسان، ما إن يبدأ القراءة والكتابة، حتى يقترب من حرية طال انتظارها. وتتحدث عن أثر القراءة عليها وسط ضغوط الحياة اليومية، فتقول: "أنا كشخص عليّ مسؤوليات كتيرة، مجرد ما أبدأ قراءة بنسى كل شيء تاني". وتعتبر المكتبة منحتها فرصة حقيقية للعودة إلى هذا الشعور.
وفي هذا السياق، يكتسب الكتاب وظيفة تتجاوز القراءة، إذ يتحول إلى معالج نفسي يفتح نافذة على واقع أكثر رحابة، ويمنح القارئ مساحة يتنفس فيها بعيدا عن ضغط الحرب. وتستعيد نبال علاقتها بالكتب خلال الحرب بوصفها علاقة ازدادت عمقا وإلحاحا.
وتتحدث نيلوفر أبو راس، شابة غزية، عن أثر القراءة عليها وسط ضغوط الحياة اليومية، فتقول: "أنا كشخص عليّ مسؤوليات كتيرة، مجرد ما أبدأ قراءة بنسى كل شيء تاني". وتعتبر المكتبة منحتها فرصة حقيقية للعودة إلى هذا الشعور. وترى أن دور "العنقاء" يتجاوز الثقافة إلى الجانب النفسي، في ظل ما يعيشه أهل غزة.
وتعتبر القراءة تجربة مريحة، لأنها تعيد للقراءة حضورها الحسي والوجداني معا. وتعتبر المكتبة مساحة ثابتة للقاء والقراءة، تصفها نيلوفر بأنه "مكان هادئ وراق" يجمع أشخاصا تتقاطع اهتماماتهم، ويمنحهم شعورا بالراحة والانتماء. وتعتبر أن دور "العنقاء" يتجاوز الثقافة إلى الجانب النفسي، في ظل ما يعيشه أهل غزة.
وتعتبر القراءة منحتها معنى وجوديا يتصل بالحياة نفسها، فبعد ما مرّ على الناس من مشقة الحركة تحت ضغط الجوع والظروف القاسية، تأتي القراءة لتعيد الإنسان إلى نفسه، وتذكره بأن المعرفة من أهم ما يعينه على النهوض وتطوير ذاته.










