الحرب السرية للاستخبارات الروسية في أوروبا: 100 يورو وسيارة معطلة

الحرب السرية للاستخبارات الروسية في أوروبا
في ديسمبر/كانون الأول 2024، اكتشفت الشرطة الألمانية شاحنة صغيرة من طراز "أوبل" قرب بلدة "شونفيلد" على أطراف برلين الجنوبية، وكان في الشاحنة 3 شباب يحملون وثائق هوية منصربيا والبوسنة وألمانيا. بعد تفتيش روتيني، أطلقت الشرطة سراحهم؛ إذ لم تجد في الشاحنة سوى عبوات من رغوة البناء العازلة، التي يستخدمها عمال الترميم لسد الشقوق وإغلاق الفجوات، وهي مادة غير محظورة. لكن بعد ساعات قليلة، استيقظ سكان حي ألت-شونفيلد القريب على نحو43 سيارة معطلة، كانت أنابيب عوادمها محشوة بالرغوة نفسها، وعلى زجاجها ملصقات تحمل صورةوزير الاقتصاد الألماني آنذاكروبرت هابيك، مرفقة بعبارة ساخرة: "كن أكثر اخضرارا".
عمليات التخريب في أوروبا
لم تكن تلك السيارات الـ43 سوى البداية؛ فعلى مدار أسابيع تالية، تسببت الطريقة نفسها في إفساد أكثر من270 سيارة في مدن ألمانية مختلفة. وتكشف التحقيقات أن المنفذون لم يكونوا ناشطين مناخيين، بل شبانا جُنّدوا عبر تطبيق "فايبر". تلقّى أحدهم تعليمات دقيقة من شخص روسي، ووُعد بنحو100 يورو (نحو108 دولارات) عن كل سيارة يتلفها، فيما قدّرت دوائر أمنية ألمانية أن الغاية كانت إشعال النقمة علىحزب الخضر ومرشحه عشية انتخابات اتحادية، وتسميم النقاش العام من الداخل قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
الحرب الهجينة
توصف هذه العمليات بالحرب الهجينة، وهي مزج من الحرب التقليدية والعدوان غير النظامي. وتعتمد هذه الحرب على استخدام تكتيكات غير تقليدية، مثل التخريب والسيبرانية والعمليات النفسية، لتحقيق الأهداف العسكرية أو السياسية. وتربط تقارير عدة بين الاستيلاء علىدونيتسك وجهازالاستخبارات العسكرية الروسية (غرو). وتشير الوثائق البريطانية الرسمية إلى أنأوكرانيا شكّلت ساحة اختبار طوّر فيها "غرو" ترسانته منذ2014؛ حتى إن وحدته السيبرانية26165، نشرت بين عامي2014 و2016، برمجيات خبيثة لتحديد مواقع المدفعية الأوكرانية فيدونباس، بما مكّن من توجيه الضربات إليها.
الوحدة 29155
تواجهالوحدة 29155 مشكلات متزايدة، تتعلق بانكشاف أفرادها عبر تقنيات التحليل الحديثة، وتشديد الرقابة على المهاجرين الروس في الخارج. وتتخصصالوحدة 29155 في عمليات التخريب والاغتيال، وتضم قرابة400 شخص، وتجند عملاءها من المواطنين والمقيمين فيأوروبا. وتعملالوحدة 29155 وفق أهداف سياسية واقتصادية، غالبًا بالتزامن مع أحداث جيوسياسية كبرى، سعيًا إلى جمع معلومات إستراتيجية، أو التأثير في الرأي العام، أو سرقة أسرار تجارية.
الإنكار المعقول
بهذا تكتمل صورةالجهاز كما تريدهاموسكو: ذراع تضرب، وأخرى تخترق، وثالثة تفسر الضربة على نحو مضلل. فالقوة هنا لا تكمن في التخريب وحده، بل في توزيع الفعل على أكثر من مستوى؛ حادثة ميدانية تربك الشرطة، اختراق رقمي يربك البنية التحتية، ورواية بديلة تربك المجتمع نفسه. وحين تعمل هذه المستويات معًا، لا تعود الحرب حدثًا ينتظر إعلانًا رسميًا، بل ضغطًا يوميًا متراكمًا على أعصابأوروبا ومؤسساتها وقدرتها على تسمية ما يجري. فتلك الحرب التي تدور تحت العتبة لا تبحث عن نصر خاطف بقدر ما تسعى إلى إنهاك الخصم، وإجباره على الشك في أمنه، وفي معلوماته، وفي المعنى الذي يعطيه لكل ضرر.











