حرب إيران وتحوّل صندوق النقد والبنك الدولي إلى تمويل أزمات الطاقة

تحول السياسات المالية الدولية إلى إدارة أزمات الطاقة
في ظل تصاعدحرب إيران وتفاقم تداعياتها على أسواق الطاقة العالمية، اضطرتصندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى تعديل مسار عملهما من تمويل مشروعات التنمية طويلة الأجل إلى تقديمتمويل طارئ للدول المتضررة. يأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه العديد من الدول النامية ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار الاستيراد للطاقة وتفاقماً في معدلات التضخم، ما وضع ميزانياتها تحت ضغط شديد، بينما وصلت مستويات الدين العام إلى أرقام قياسية.
ردود فعل المؤسسات على صدمة الطاقة
أعلنت المديرة العامة لصندوق النقد الدوليكريستالينا جورجيفا أن أكثر من12 دولة تتجه الآن لطلب برامج تمويل جديدة نتيجة صدمة الطاقة الناجمة عن الصراع. وفي الوقت نفسه، صرح ممثل البنك الدولي بأنه يجري محادثات مع عدد من الدول المتضررة لتوفير قروض سريعة وبرامج إنقاذ اقتصادية.
قبل اندلاع الحرب، ركّزت المؤسستان على تمويلمشروعات البنية التحتية، وتعزيز الانتقال إلىالطاقة المتجددة، وإطلاق برامج إصلاح مالي تهدف إلى تحسين استقرار الاقتصادات النامية. وقد تعهَّد البنك الدولي بزيادة تمويله السنوي إلى150 مليار دولار لتلبية احتياجات التنمية ومكافحة التغير المناخي، مع تركيز واضح على الاستدامة.
التمويل الطارئ والآفاق المستقبلية
أعلن البنك الدولي في بيان صدر في مارس/آذار الماضي استعداده لتقديممساعدات مالية فورية، وتوفير خبرات سياساتية، ودعم القطاع الخاص، بهدف الحفاظ على الوظائف وتحقيق النمو في البلدان المتضررة. وأشار إلى قدرته على جمع نحو25 مليار دولار من خلال أدوات الاستجابة للأزمات على المدى القريب، وإمكانية رفع هذا الرقم إلى70 مليار دولار خلال ستة أشهر إذا استدعت الحاجة.
تُظهر هذه الأرقام أن المؤسسات المالية الدولية تعيد تكرار نهجها الذي اعتمدته خلال جائحة كورونا (2020‑2021) عندما قدمت تمويلات طارئة لأكثر من80 دولة، وكذلك ما فعلته بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عندما أعادت توجيه التمويل نحو أمن الطاقة والغذاء.
الانتقادات والآثار الاجتماعية
يُحذرالخبير الاقتصادي حسام عايش من أن التحول إلىتمويل التعافي قد لا يقتصر على تغطية فواتير الطاقة فقط، بل يشمل أيضاً دعم العملات المحلية ومنع الانهيارات الاقتصادية التي قد تعيق سداد الديون. ويضيف أن هذه السياسات قد تُفرض بشروط قد تزيد من أعباء الشعوب، مثل خفض الدعم، رفع الضرائب، وتحرير أسعار الطاقة، ما قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط الاجتماعية في ظل ارتفاع معدلات التضخم.
من جانبها، تُشيرالدكتورة جنات بن عبد الله إلى أن ربط التحول الحالي بالحرب فقط يغفل جذور أعمق، مؤكدة أنصندوق النقد الدولي والبنك الدولي شكّلا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية أحد أعمدة النظام الاقتصادي العالمي، وأن الأزمات الكبرى لا تُنشئ دورهما بل تُظهره. وتُضيف أن التحولات الأخيرة تأتي في سياق تزايد الوعي المجتمعي بعد أحداث مثل طوفان الأقصى، ما يُعيد فتح نقاش حول طبيعة النظام الدولي وآليات عمله.
أبعاد سياسية محتملة
يحذر عايش من أن هذا التحول يحمل أبعاداً سياسية، مشيراً إلى تأثيرالحضور الأمريكي داخل هذه المؤسسات، ما قد يجعل سياساتها أقرب إلى توجيهات الولايات المتحدة. ويتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة فرض شروط جديدة أكثر صرامة، تجعل بعض الدول "أكثر ارتباطاً" بسياسات الصناديق الدولية في ظل عالم يتشظى جيوسياسيًا.
ما الذي ينتظر المؤسسات المالية الدولية؟
تستمرصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تقييم احتياجات التمويل الطارئ، مع توقع طلبات تتراوح بين20 مليار دولار و50 مليار دولار من الدول منخفضة الدخل والمستوردة للطاقة. بينما يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه التدخلات ستُترجم إلىإصلاحات هيكلية مستدامة أو ستبقى حلولًا مؤقتة تُعالج الأزمات الفورية فقط.
إن قدرة المؤسسات على جمع الموارد وتوجيهها بفعالية ستحدد ما إذا كان العالم سيشهد استقراراً اقتصادياً يحد من خطر الانهيارات الديونية، أو سيستمر في مواجهة فجوات تمويلية قد تعمق الفوارق بين الدول المتقدمة والنامية.











