الأردن يطلق ردع استباقي ضد شبكات تهريب المخدرات السورية

العملية العسكرية «الردع الأردني» على الحدود السورية
نفذتالقوات المسلحة الأردنية في صباح الأحد الموافق 4 مايو 2026 عملية عسكرية أطلقت عليها اسم «الردع الأردني»، استهدفت مواقع لتجار الأسلحة والمخدرات على الحدود الشمالية مع سوريا، ولا سيما فيمحافظة السويداء. جاءت هذه الضربة في إطار ما وصفته السلطات الأردنية بـ«الردع الاستباقي»، حيث سعت إلى القضاء على مصادر التهريب قبل أن تصل إلى داخل الأراضي الأردنية.
وفق بيان رسمي أصدرهالجيش الأردني، تم تنفيذ الضربات الجوية باستخدام مقاتلاتإف‑١٦ وقنابل موجهة بالليزر ذات دقة تصل إلى بضعة أمتار فقط، ما أتاح استهدافمصانع ومخازن المخدرات دون إلحاق أضرار واسعة بالمنطقة السكنية المجاورة. وأفادت وسائل إعلام سورية أن الطيران الأردني ضرب أهدافاً محددة في عمق السويداء، مما أدى إلى تدمير بنية تحتية كانت تُستغل في تهريبالكبتاغون وغيره من المواد المخدرة إلى الأردن ودول الخليج.
تنسيق عسكري وأمني بين الأردن وسوريا
أكد مصدر حكومي أردني لوسائل الإعلام أن العملية تمت بالتنسيق الكامل معالحكومة السورية والجيش السوري، في إطار احترام سيادة الدولة السورية وضمان الأمن المشترك للبلدين. وأشار المتحدث إلى أن مستوى التعاون بين الجانبين وصل إلى «مستويات متقدمة» في مجاليالأمن والعسكرية، مع إنشاء آلية لتبادل المعلومات الاستخبارية وتحديث قاعدة الأهداف بشكل مستمر.
وذكر المصدر أن الأردن لا يستهدف فصيلًا أو جماعة بعينها، بل يركز على كل ما يُهدد أمنه الوطني، بما في ذلكالبالونات الطائرة و«الحمالة» التي تحاول التسلل عبر الحدود. وأوضح أن استهداف مواقع سابقة فيدرعا والسويداء جاء باتفاق رسمي بين الجانبين، مع مراعاة الخصائص الاجتماعية المتباينة في هاتين المحافظتين.
آراء الخبراء حول التحول الاستراتيجي
العقيد الركن الطيار المتقاعد عبد الله السرحان
صرّحالعقيد الركن الطيار المتقاعد عبد الله السرحان أن الغارات الأخيرة تمثل «تحولًا نوعيًا» في نهج الأردن لمواجهة تهريب المخدرات. وأوضح أن أساليب التهريب تطورت لتشملالطائرات المسيرة والبالونات الموجهة إلكترونيًا، ما يجعل رصدها صعبًا عبر الرادارات التقليدية.
وضيف أن القيادة العسكرية اعتمدت مبدأ «أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم»، ما أدى إلى تنفيذ عمليات «جراحية» تستهدف المصانع في عمقالسويداء باستخدام أسلحة دقيقة، بحيث لا يتجاوز هامش الخطأ بضعة أمتار. وأكد أن هذه الضربات التي نفذت ليلًا وتجاوزت عددها عشر غارات أسفرت عن «تحييد نسبة كبيرة» من مصادر المخدرات، مما وفر «حماية ملموسة» للحدود الأردنية.
المحلل السياسي حمزة العكايلة
أشارالمحلل السياسي حمزة العكايلة إلى أن ظاهرة تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للمنطقة، حيث أصبحت هذه التجارة «منظومة اقتصادية وسياسية» ضخمة، تُنتج النسبة الأكبر من مادةالكبتاغون عالمياً وتوجه عوائدها إلى دول الخليج.
وأوضح العكايلة أن الشبكات المتواجدة ليست عشوائية، بل تضم مئات الجماعات المنظمة التي تستغلالطائرات المسيرة والمقذوفات إلى جانب طرق التسلل البرية، مستفيدة من الفوضى وضعف مؤسسات الدولة في جنوب سوريا. وأكد أن الأردن يلعب دور «خط الدفاع الأول» في المنطقة، ما يمنحه بعدًا إقليميًا يتجاوز حدوده.
الباحث في معهد السياسة والمجتمع حسين الصرايرة
أكدالباحث حسين الصرايرة أن الضربات الأخيرة تعكس «تحولًا عميقًا» في العقيدة الأمنية الأردنية، حيث انتقل التركيز من مجرد رد التهديدات إلى استباقها من خلال استهداف بنية التهريب في العمق. وأوضح أن هذا التحول يتماشى مع تنسيق أمني متنامٍ مع الجانب السوري، ويستند إلى «جهود استخبارية متقدمة» وبنك أهداف محدث يضمن دقة الاستهداف.
الخلفية التاريخية لتجارة المخدرات في جنوب سوريا
تعود جذور تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية إلى سنوات حكم النظام السوري السابق، حيث استغلت الفوضى المستمرة لتأسيس مصانعالكبتاغون في مناطق مثلالسويداء ودرعا. وفق تقديرات دولية، تُنتج هذه المناطق ما يقرب من نصف الإنتاج العالمي للمادة، وتُصدّر إلى الأردن ومن ثم إلى دول الخليج عبر مسارات برية وجوية معقدة.
تُظهر التقارير أن الشبكات استخدمت في الفترة الأخيرةتقنيات حديثة مثلالطائرات بدون طيار والبالونات الموجهة إلكترونيًا لتجاوز أنظمة الرصد التقليدية، ما استدعى تطوير قدرات استخبارية عسكرية متقدمة لدى الأردن.
تداعيات إقليمية وإجراءات مستقبلية
تأتي هذه الخطوة في ظل بيئة إقليمية متشابكة تشهد تصاعدًا في التهديدات غير التقليدية، وعلى رأسها تجارة المخدرات. وقد أعلن المسؤولون الأردنيون عن نية توسيع آلية التنسيق مع عدد من الدول العربية لتشكيل شبكة إقليمية لمكافحة التهريب، تشمل تبادل المعلومات وتنسيق العمليات الميدانية.
كما يُتوقع عقد اجتماعات رفيعة المستوى بينالسلطات الأردنية والسورية خلال الأسابيع المقبلة لتقييم نتائج العملية وتحديد خطوات مستقبلية، مع احتمال إشراك منظمات دولية لضمان استدامة الجهود ومكافحة تمويل الجماعات المسلحة عبر عائدات المخدرات.
في الختام، يمثل ما تم تنفيذه من عمليات «الردع الأردني» علامة فارقة في سياسة الأمن الإقليمي، حيث يُظهر قدرة الأردن على التحرك استباقيًا داخل أراضي الجوار لتفكيك شبكات التهريب من جذورها، ما يعزز موقعه كحارس أمني رئيسي في منطقة تعصف بها الأزمات. الخطوات القادمة ستُحدد ما إذا كان هذا النهج سيُصبح نموذجًا إقليميًا يُحتذى به في مواجهة التهديدات غير التقليدية.





