النّبطية تتحول إلى أرض محروقة: تفاصيل النزوح القسري الأخير

النزوح القسري وتفاصيله
في ليلةٍ مظلمة من أواخر شهر مايو/أيّار 2026، غادرتالنّبطية، المدينة التي تُعرف بـ«قلب الجنوب»، آخر سكانها الذين تمكّنوا من الصمود لثلاثة أشهر تحت وطأة غارات جوية وإطلاقات مدفعية إسرائيلية مستمرة. وفقًا لتقارير ميدانية، تمّ تنظيم موكبٍ من المدنيين برفقة عناصر منالجيش اللبناني والدفاع المدني، وانطلقوا من مداخل المدينة إلى خارجها في ظروفٍ صعبة، متجهين نحو مناطقٍ آمنةٍ في الشمال.
هذا النزوح جاء بعد أن اقتربتالقوات الإسرائيلية إلى مسافة لا تتجاوزأربعة إلى خمسة كيلومترات من حدود المدينة، ما أثار حالةً من الذعر بين السكان الذين رفضوا الرحيل طوال الفترة السابقة. وقد صرح عدد من النازحين أن القرار بالهجرة لم يكن خيارًا، بل كان إجبارًا نتيجة لتصاعد القصف وتدمير البنية التحتية الحيوية.
تدمير البنية التحتية والملامح الثقافية
منذ بداية العدوان في2 مارس/آذار 2026، سُجلت3,000 قتيلاً و324 جريحًا، إلى جانب10,000 جريح آخرين، إضافة إلى أكثر منمليون نازح عبر مختلف مناطق لبنان. وفيالنّبطية، ألحقت الغارات الجوية والقصف المدفعي أضرارًا بالغة في المباني السكنية، والمساجد، والمدارس، وأماكن التراث التي تُعد رموزًا تاريخية للمنطقة.
المصادر المحلية تؤكد أنالمسجد الكبير والـ«قصر القرويين» تعرضا لأضرار هيكلية، بينما دُمر جزء كبير من شبكة الكهرباء والاتصالات، ما جعل من الصعب على السكان التواصل مع عائلاتهم أو طلب المساعدة.
شهادات النازحين: معاناة لا توصف
قال المواطنعباس، الذي ظلّ وحيدًا في حيه لعدة أشهر قبل أن يفر، إنّ «تواترت الغارات من كل النواحي، لكن ما فزعنا هو القصف المدفعي اليوم لأنه اقترب كثيرًا». وأضاف أن شدة القصف دفعته أخيرًا إلى ترك منزله، رغم رغبته العميقة في البقاء.
من جهته، عبّر المواطنيوسف عن حزنه الشديد قائلاً: «عندي قناعة إني أبقى بأرضي، ما أترك أرضي، وهلأ ضاهر (مغادر) ومخنوق، مش حابب أظهر (أغادر)».
كما روى أحد النازحين تفاصيل مأساوية عن فقدان أقاربه أثناء محاولتهم توزيع الخبز على المتضررين، حيث قال: «أبناء عمي كانوا يوزعون لنا خبز فاستشهدوا بسيارة البلدية»، مشيرًا إلى عدم وضوح سبب استهدافهم رغم أنهم كانوا يقومون بأعمال إغاثية.
نازح آخر صرح بأن القصف واقتراب القوات الإسرائيلية من محيط منزله دفعاه إلى الخروج للمرة الأولى منذ اندلاع الحروب في المنطقة، مؤكدًا أن «أعصابنا ما عادت تتحمل، هي أول مرة أنا بطلع من بيتي».
دور مستشفى النجدة الشعبية في مواجهة الأزمة
على الرغم من القرب الشديد للقوات الإسرائيلية، استمرمستشفى النجدة الشعبية في تقديم الخدمات الطبية، حيث تُعدّ الآن أحد آخر المراكز الطبية الفعّالة في جنوب لبنان. صرّحت مديرة المستشفىمنى أبو زيد أن القوات الإسرائيلية باتت على بعد «4 إلى 5 كيلومترات» من المركز، وأن عمليات إخلاء المدنيين تتزايد مع استمرار القصف. ومع ذلك، أكدت أن المستشفى «سيبقى صامدًا ومستمراً في تقديم خدماته» لتلبية احتياجات الجرحى والمرضى.
خلفية الصراع وتداعياته المستقبلية
تأتي هذه التطورات في سياق تصعيدٍ عسكريٍ مستمرٍ من قبلإسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، حيث سعت إلى توغل بري واسع بعد بدء العدوان في أوائل مارس. وقد أسفر هذا العدوان عن3,000 قتيل و324 جريحًا، إلى جانب10,000 جريح آخرين، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تعصف بالمنطقة.
من الناحية السياسية، يُتوقع أن تواصل الجهات الدولية والإنسانية ضغطها على الأطراف المتنازعة لإيجاد حلٍ فوريٍ يوقف العنف ويضمن عودة النازحين إلى ديارهم. وفي الوقت نفسه، تستعدالمنظمات الإغاثية لتوسيع نطاق المساعدات الطبية والإنسانية إلى المناطق المتضررة، بينما يظلالجيش اللبناني في حالة تأهبٍ قصوى لتأمين الحدود ومنع أي توسعٍ آخر للعمليات العسكرية.
إن ما شهدتهالنّبطية من تحولٍ إلى «أرض محروقة» يُعدّ تحذيرًا واضحًا لضرورة اتخاذ إجراءاتٍ عاجلة لوقف العنف وتوفير الحماية للمدنيين، وإلا فإن دائرة النزوح والدمار قد تتسع لتشمل مزيدًا من المدن والقرى في جنوب لبنان.





