مئة يوم من الحرب في إيران: يوميات مهران تحت القصف وارتفاع الأسعار

مقدمة: صراع مستمر يغيّر نمط الحياة في طهران
في اليوم المئوي منذ اندلاعالحرب التي تجمع بين القوات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، يظلمهران (47 عاماً) معلمًا في العاصمةطهران يواجه واقعًا جديدًا يدمج بين القصف المستمر، انقطاع الخدمات، وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة. يروي مهران تفاصيل يومه الذي يجمع بين التدريس عبر منصةشاد التعليمية، البحث عن أدوية نادرة، وتجاوز أزمات النقل العام، في ظل نقص الإنترنت والسلع الأساسية.
التعليم عن بُعد تحت ضغط الإنترنت الضعيف
منذ الأسبوع الثاني من الصراع، أُجبر نظام التعليم في إيران على الانتقال إلىالتعليم عن بُعد لتفادي إغلاق المدارس. يفتح مهران حاسوبه المحمول كل صباح في زاوية شقته المتواضعة بحيأميرآباد، محاولاً الارتباط بمنصةشاد التي تعاني من بطء شديد بسبب الزيادة المفاجئة في عدد المستخدمين. يقول مهران مبتسمًا بتعب: “الإنترنت الوطني متاح لكنه ضعيف إلى درجة تجعل صوتي يتقطع وتختفي أعداد من الطلاب فجأة”.
تستضيف شقته ثلاثة أفراد آخرون يعتمدون على نفس الإشارة: ابنتهمهرانة (14 عاماً) التي تحاول متابعة دروسها على جهاز لوحي قديم، وابنه الصغيرسام (8 أعوام) الذي يقترب من نافذة المطبخ للتمكن من أقوى إشارة. حتى زوجتهآزاده (41 عاماً) التي تدير حسابات شركتها عن بُعد منذ بداية الحرب، تجد صعوبة في إجراء مكالمات ثابتة. يضيف مهران: “الاتصال الواحد صعب، فكيف نتحمل ثلاثة أو أربعة اتصالات متزامنة في مساحة شقة ضيقة؟”.
نقص الأدوية وتضخم الأسعار
بعد انتهاء الحصص الافتراضية، يتجه مهران إلى صيدليةالشفاء القريبة لشراء الدواء الشهري لوالدته التي تعاني من ضعف عضلة القلب. يلاحظ أن الرفوف التي كانت مليئة بالأدوية أصبحت خالية من عشرات الأصناف منذ أكثر من شهر، وأن الأسعار ارتفعت إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل الصراع. يوضح صيدلي يدعىمهري أن نقص السلع يعود إلى عرقلة سلاسل التوريد نتيجة الحصار البحري وإلغاء الرحلات الجوية.
يصف مهران أن “الأدوية تستهلك ربع راتبه الآن، بينما كانت تشكل 7٪ فقط قبل الحرب”. ويضيف أنه لا يزال محظوظًا بوجود الدواء الضروري، لكن العديد من المرضى يواجهون نقصًا حادًا في الأدوية المستوردة.
ارتفاع أسعار السلع الكهربائية والمواد الغذائية
يتجه مهران بعد ذلك إلى سوقجمهوري لشراء تلفاز جديد استعدادًا لمباراة كأس العالم المرتقبة، بعد أن تضرر جهازه القديم نتيجة انفجارات قريبة. يلاحظ أنالمواصلات العامة (الحافلات والمترو) تُقدم مجانًا منذ بداية الصراع لتخفيف الأعباء، إلا أن الشوارع لا تزال مكتظة بالسيارات الخاصة.
في أحد محلات الأجهزة الكهربائية، يصرح بائع يُدعىعلي أن “الأسعار ارتفعت بين 40 إلى 60 مليون ريال إيراني خلال ساعات قليلة بسبب ارتفاع سعر العملة الصعبة”. في متجر آخر، يؤكد صاحب المحلعلي مراد (59 عاماً) أن أسعار طاولات التلفاز تضاعفت منذ الشتاء الماضي، معزيًا ذلك إلى ارتفاع الأجور وتكاليف المواد الأولية والإيجارات، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.
لحظات من الهدوء في حدائق طهران
بعد ساعتين من التنقل، يستقر مهران في حديقةأوستا العامة لتناول استراحة قصيرة. يصف المشهد كأنه من زمن آخر: أطفال يلعبون حول الألعاب الملونة، وعائلات تسترخي تحت ظلال الأشجار، وشبان يمارسون الرياضة العامة بنشاط. يلتقط مهران نظرة إلى سيدة مسنّة تقرأ كتابًا ورقيًا بهدوء، فتقول له: “لحظة ننسى فيها الحصار ونستعيد فيها حقنا في الحياة”.
تشير شابة تُدعىمونا (22 عاماً) إلى أن هذا الهدوء ليس سوى واجهة مؤقتة، فالسكان يبحثون عن فسحة مجانية للتنفس بعد أن استهلكت فواتير الإنترنت والمواد الغذائية ميزانياتهم. وتضيف أن السيدة التي تقرأ قد اختارت الحديقة لأن شقتها أصبحت مكتظة بأصوات الدروس الافتراضية لأحفادها، بينما يلجأ الشباب إلى المرافق العامة بدلاً من النوادي الخاصة التي لا يستطيعون تحمل تكلفتها.
التجمعات الليلية وتعبئة الروح الشعبية
مع غروب الشمس، يتجه مهران إلى ساحةالثورة القريبة من جامعة طهران للمشاركة في التجمعات الليلية الداعمة للنظام. يجتمع مئات المواطنين، يرددون شعارات وطنية، ويغنون أغانٍ حماسية. يصف مهران اللقاءات بأنها تمنحه شعورًا بالانتماء إلى “خندق واحد”. يضيف: “قد لا نمتلك طائرات شبح أو حاملات طائرات، لكن حضورنا وكلامنا يضيفان وزنًا للوقوف ضد العدوان”.
يستذكر مهران أن حضور التجمعات تطور مع مرور الأيام: “في الليلة العاشرة كنت آتي بدافع الواجب، وفي الليلة الثلاثين أصبحت آتي لأعرف وجوهًا مألوفة، والآن بعد مئة يوم تحولت هذه الاجتماعات إلى نسيج يومي يمنحنا إيقاعًا ثابتًا في زمن اهتز فيه كل شيء”.
انعكاسات الصراع على المجتمع الإيراني
تشير ملاحظات مهران إلى أنالحرب لم تتوقف عن إحداث بصمات واضحة في جميع جوانب الحياة اليومية: من ضعف الإنترنت إلى نقص الأدوية، ومن ارتفاع الأسعار إلى تزايد التجمعات الشعبية. يطرح سؤالًا يلاحقه الكثيرون: “إلى متى سيستمر هذا الخيط الرفيع بين التكيف والانهيار؟”.
مستقبل غير مؤكد وتطلعات إلى الاستقرار
مع مرور مئة يوم من الصراع، يبقى الأمل معلقًا في قدرة المجتمع الإيراني على الصمود وتجاوز الأزمات. يظل سؤال استمرارية التجمعات وتوافر السلع الأساسية مفتوحًا، في انتظار أي تحرك دولي أو حل سياسي قد يخفف من حدة الحصار ويعيد استقرار الاقتصاد. يبقى الشعب الإيراني، كما يظهر من خلال قصص مثل قصة مهران، مثالًا على القدرة على التكيف والتمسك بالأمل في ظل أصعب الظروف.





