الأحد، ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
أخبار على مدار الساعة
Hatrek logoHatrekصحيفة هاتريك
أخبار عامة

جرح غزة المفتوح: 3 آلاف مفقود وآلاف تحت الأنقاض

·5 دقيقة قراءة
جرح غزة المفتوح: 3 آلاف مفقود وآلاف تحت الأنقاض

جرح غزة المفتوح

لم يكن اتصالا عاديا، فالرقم الذي ظهر على شاشة هاتفه يعود لوالده المفقود منذ 814 يوما. تجمّد محمد في مكانه، ويداه ترتجفان، وتساءل وهو يحدّق في الشاشة: "أهذه أخيرا نهاية الغياب؟". لكن الأمل تلاشى سريعا؛ فما إن ردّ على الاتصال، حتى جاءه صوت رجل غريب يقول: "عثرنا على هذا الهاتف داخل بنطال جثة متحلّلة. تعالوا إلى مستشفى ناصر للتحقق إن كانت لشخص معلوم لديكم".

قصة مؤلمة

في تلك اللحظة، أدرك محمد أن المكالمة لم تحمل بشارة، بل طوت سؤالا ظلّ يطارده لعامين. قبل ساعات من الاتصال بمحمد، كان أحد النازحين يصلح خيمته قرب دوّار أبو علاء غرب خان يونس، حين ظهرت ملابس تغطي عظاما بشرية مدفونة قرب الخيمة. وفي جيب البنطال وُجد هاتف لا يعمل، فنقل المختصون بطاقة الاتصال إلى جهاز آخر، ليظهر اسم: محمد إسماعيل الحدّاد.

انتظار طويل

تواصلت الجزيرة نت مع محمد، الذي روى ما حدث معه لحظة وصوله إلى مشرحة مستشفى ناصر. لبرهة وقف محمد متسمّرا أمام الجثمان، وأخذ ينظر إلى السّترة السوداء المهترئة، وإلى الكوفية الحمراء، والحذاء الذي ما زالت تفاصيله تتضح رغم تعفّنه؛ كانت هذه الملابس آخر ما ارتداه والده يوم اختفى. ويقول: "مددتُ يدي إلى الجيب الداخلي للسترة التي كان يرتديها والدي، فوجدت هويته تحمل اسمه بخط واضح، عندها انتهت كل الشكوك".

آلاف المفقودين

واختفى الستيني إسماعيل الحدّاد في 23 يناير/كانون الثاني 2024، أثناء خروجه من منطقة مواصي خان يونس إلى منزله القريب من مستشفى ناصر، ليقنع ابنه بمغادرة المنطقة بعد اقتراب قوات الاحتلال الإسرائيلي واشتداد القصف. إذ انقطع الاتصال معه في منتصف الطريق، ومنذ ذلك اليوم عاشت العائلة 814 يوما من انتظار مُنهِك، بلا معلومة ولا أثر ولا إشارة حياة.

تعقيدات الملف

وعلى مدار نحو 27 شهرا، طرقت العائلة كل الأبواب، وتواصلت مع محامين أكدوا أن اسمه لا يظهر في أي من قوائم المعتقلين في السجون الإسرائيلية. ورغم يقينها بأن اسم إسماعيل لم يرد في أي قائمة، ظلّ الأمل حيا لدى العائلة، فغياب الجثمان كان يترك بابا صغيرا للنجاة مفتوحا.

جهود المركز الفلسطيني

ولكن حين وقف محمد أمام الجثمان، وأمسك هوية والده بيده، أدرك أن الرحلة الطويلة انتهت أخيرا؛ لتنتقل حكاية والده من خانة "المفقود" إلى خانة "الشهيد معروف المصير". بينما أغلقت عائلة الحدّاد فصل الانتظار الطويل، فإن آلاف العائلات الأخرى لا تزال غارقة في ألم مجهولية المصير.

إحصائيات المفقودين

فبحسب تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسرا، لا يزال في قطاع غزة ما بين سبعة وثمانية آلاف شخص في عداد المفقودين، بينهم من يُرجَّح أنهم تحت الأنقاض. وقالت مديرة المركز ندى أبو عيطة للجزيرة نت، إن نحو ثلاثة إلى أربعة آلاف مفقود تواصلت عائلاتهم مع المركز وتم تسجيلهم بشكل رسمي، "لكن حتى اللحظة لم نصل إلى حسم مصير أي حالة بشكل نهائي".

دور اللجنة الأممية

وأوضحت أن القانون الدولي الإنساني يُعرّف المفقود بأنه كل شخص مجهول المصير، سواء كان نتيجة اختفاء قسري أو بقاء جثمانه تحت الأنقاض، "إذ لا يمكن حسم حالة الشخص إلا بعد العثور على الجثمان والتأكد منه بشكل يقيني". مشيرة إلى أن دور المركز لا يقتصر على استقبال البلاغات أو رصد الأرقام، بل يمتد إلى تشكيل قاعدة بيانات وطنية للمفقودين، والتواصل مع الجهات المعنية.

تحديات الملف

وأضافت "منذ ديسمبر/كانون الأول بدأنا بالتواصل مع اللجنة الأممية المعنية بحالات الاختفاء القسري والمفقودين، حيث نقوم بتوثيق الحالات وفق نماذج قانونية معتمدة، وفتح ملفات رسمية للحالات التي يُرجَّح أنها وقعت ضمن حالات اختفاء قسري".

معاناة العائلات

وأكدت رفع نحو 200 حالة موثّقة حتى الآن إلى اللجنة، مبيّنة أن الإجراءات الأممية عادة ما تكون بطيئة بحكم اتساع نطاق عملها عالميا وتعقيد الإجراءات. وحذّرت من أن تجربة المفقودين في غزة قد تواجه المصير نفسه الذي شهدته دول أخرى مثل العراق وسوريا، حيث تلاشت ملفات المفقودين مع مرور الوقت دون حسم مصائر آلاف الحالات.

قصص إنسانية

ولا تقتصر مأساة المفقودين في غزة على من غاب أثرهم كليا، بل تمتدّ إلى آلاف يُعرف مصيرهم، لكن يتعذّر الوصول إليهم تحت الأنقاض، كحال بلال الشريف، الذي لا يزال والده وشقيقه معاذ تحت ركام بناية مكوّنة من 5 طوابق في منطقة الفالوجة شمال قطاع غزة، بعد استهداف الاحتلال لها خلال حصار جباليا.

جهود الدفاع المدني

وقبل أن تتأكد العائلة من وجودهما تحت الأنقاض، دخلت مرحلة شك طويلة، زادها ارتباكا ظهور قائمة غير رسمية بأسماء يُعتقد أنها محتجزة في السجون الإسرائيلية، تضم اسمين مشابهَيْن لاسمَي والده وأخيه. يقول بلال للجزيرة نت: "انتقلنا فجأة من احتمال الاستشهاد إلى احتمال الأسر".

موقف إسرائيل

لكن هذا الاحتمال تراجع سريعا، فمع بدء صفقات تبادل الأسرى، خرج أصحاب الأسماء المشابهة من السجون، وتبيّن أنهم ليسوا والده ولا أخاه. وفي الوقت نفسه، وصلت العائلة شهادة قاطعة من أحد الجيران الذين نجوا من حصار جباليا، قال فيها إنه رآهما داخل المبنى نفسه لحظة قصفه.

الأثر النفسي

بهاتين الدلالتين معا، انقضى الشكّ، فلم يكونا أسيرين، بل عالقين تحت الأنقاض منذ لحظة الاستهداف الأولى. وأضاف بلال "بعدها أقمنا لهما عزاء دون جثمان، ولا قبر، ولا شاهد، ولا مكان نذهب إليه". فيما تذهب والدته بين الحين والآخر إلى موقع المبنى، تعدّ الركام قبرا مؤقتا، أو مكانا للزيارة.

تحذيرات

وأشار بلال إلى أن الطريق الذي سلكه النازحون خلال حصار أكتوبر/تشرين الأول 2024 تحوّل -كما يصفه- إلى ساحة قتل مفتوحة بفعل الكمائن والقصف، حيث سقط مئات المدنيين؛ بعضهم تُركت جثامينهم في الطرقات، وآخرون نهشتهم الحيوانات أو دُفنوا على عجل بيد غرباء، أمام استحالة الوصول إليهم.

موقف الدفاع المدني الفلسطيني

هذه الوقائع تجعل ملف المفقودين أكثر تعقيدا من كونه مجرد أرقام، إذ تختلط فيه احتمالات الاستشهاد والدفن تحت الركام والاختفاء القسري، دون أي حسم نهائي للمصير.

إجراءات مستقبلية

وفي جهاز الدفاع المدني الفلسطيني، يُنظر إلى ملف المفقودين باعتباره أحد أكثر القضايا تعقيدا منذ بدء الحرب؛ بل كما يصفه المتحدث باسم الجهاز محمود بصل "ركن

مشاركة:

مقالات ذات صلة

مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في باريس وتسجيل 410 آلاف مشارك في احتجاجات فرنسا
أخبار عامة

مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في باريس وتسجيل 410 آلاف مشارك في احتجاجات فرنسا

٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦

اندلعت اشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين في العاصمة الفرنسية خلال مسيرة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور التعليم، وسجلت وزارة الداخلية مشاركة 410 آلاف شخص في جميع أنحاء البلاد، منها 110 آلاف في باريس، مع نشر 70 ألف شرطٍ

فيديو يسلط الضوء على طبيب عظام مصري مشرد في شوارع الحديدة يثير تعاطفاً واسعاً
أخبار عامة

فيديو يسلط الضوء على طبيب عظام مصري مشرد في شوارع الحديدة يثير تعاطفاً واسعاً

٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦

مقطع على إنستغرام جمع أكثر من مليون ونصف مشاهدة يوثق حالة طبيب عظام من مصر يعيش مشرداً في الحديدة، ويظهر جهود الناشط اليمني محمد يحيى لتقديم العون وإطلاق مناشدة للعثور عليه وإعادته إلى بلده.

ترامب يطلب من وزارة العدل رفع دعوى لمنع تصديق نتائج انتخابات ألاسكا إذا خسر السناتور الجمهوري
أخبار عامة

ترامب يطلب من وزارة العدل رفع دعوى لمنع تصديق نتائج انتخابات ألاسكا إذا خسر السناتور الجمهوري

٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦

الرئيس دونالد ترامب أمر وزارة العدل بتقديم دعوى قضائية لوقف المصادقة على نتائج انتخابات مجلس الشيوخ بألاسكا إذا خسر السناتور دان سوليفان، مستنداً إلى احتمال ارتباك الناخبين بين اسمين متشابهين.

مذكرة استخباراتية أمريكية تحذر من مخططات إيرانية متقدمة لاغتيال مسؤولين وتقلص البعثات الدبلوماسية
أخبار عامة

مذكرة استخباراتية أمريكية تحذر من مخططات إيرانية متقدمة لاغتيال مسؤولين وتقلص البعثات الدبلوماسية

٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦

أفادت مذكرة استخباراتية أمريكية صادرة في 23 أكتوبر أن إيران تجهز عمليات اغتيال متقدمة ضد مسؤولين أمريكيين في الشرق الأوسط وخارجه، ما دفع واشنطن إلى رفع حالة التأهب وتقليص طواقم سفاراتها في عدة عواصم عربية.

أوروبا تسعى لتحديد ممثليها في مفاوضات أوكرانيا بينما تستعد ثلاثية واشنطن‑كييف‑موسكو للانطلاق
أخبار عامة

أوروبا تسعى لتحديد ممثليها في مفاوضات أوكرانيا بينما تستعد ثلاثية واشنطن‑كييف‑موسكو للانطلاق

٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦

تتزايد الإشارات إلى استئناف محادثات السلام بين أوكرانيا وروسيا، وتبحث العواصم الأوروبية عن صيغة موحدة لتمثيلها، مع طرح أسماء مرشحين محتملين لتولي مهمة التفاوض مع بوتين.