إيران أمريكا في حرب الاستنزاف: كيف تغيرت المواجهة في منطقة رمادية

الحرب في منطقة رمادية
كانت حرب الاستنزاف بين إيران وأمريكا تعكس تبدلًا أعمق في طبيعة المواجهة، حيث انتهت الحرب المفتوحة إلى لحظة تردد، وخلالها تحوّل الوضع إلى ما يشبه اختبارًا للإرادة، حيث ينتظر كل طرف تراجع الآخر. والتحليل الذي قدمته دراسة مرکز الجزيرة للدراسات يظهر كيف أن هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن سلوك الطرفين خلال الأسابيع السابقة.
إيران: الصمود والاستنزاف
كانت إيران -في بداية الحرب- ترفض الذهاب إلى جولة التفاوض الثانية تحت الضغط، لكنها لم تفعل ذلك من موقع الضعف، بل من قناعة بأن لديها ما يكفي من عناصر القوة لتحمّل كلفة المواجهة، أو على الأقل لفرض شروط مختلفة للعودة إلى الطاولة. وركزت إيران في البداية على امتصاص الضربة، والحفاظ على تماسك الدولة، وإعادة ملء الفراغات التي أحدثتها الهجمات، وهو ما نجحت فيه بدرجة لافتة، سواء عبر إعادة تنظيم مؤسساتها أو عبر الحفاظ على تماسك قيادتها.
ولكن المرحلة الأهم كانت الانتقال إلى الاستنزاف، حيث لم تعد طهران تسعى إلى تحقيق نصر عسكري مباشر، بل إلى إطالة أمد الحرب بطريقة تفرض على خصومها كلفة متزايدة. ومن أبرز أدوات هذه الاستراتيجية التحكم في مضيق هرمز، الذي لم يغلق بالكامل، بل خضع لإدارة انتقائية، تسمح بمرور بعض السفن وتمنع أخرى، بما يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية.
الاستراتيجية الأمريكية: الخنق والتفكيك
في المقابل، لم تتخلّ الولايات المتحدة عن الحرب، بل أعادت تعريفها. فبعد أن تبيّن أن القصف وحده لن يحقق النتيجة المرجوة، انتقلت إلى استراتيجية تقوم على الاستنزاف الاقتصادي والسياسي، مع الحفاظ على جاهزية عسكرية عالية تحسبًا لأي تصعيد. وحصار البحري كان الأداة الأبرز في هذه المرحلة، حيث سعت واشنطن إلى خنق الاقتصاد الإيراني، وحرمانه من موارده الأساسية، خصوصًا صادرات النفط.
الحرب في منطقة رمادية
تظل الحرب في منطقة رمادية، لا هي انتهت ولا هي قابلة للحسم السريع، حيث ينتظر كل طرف تراجع الآخر. ولكن السؤال الذي يظل مفتوحًا هو من سيتعب أولًا. فإيران تعوّل على قدرتها على الصمود، وعلى تأثير الحرب في الاقتصاد العالمي، وعلى الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة. وواشنطن تراهن على أن الحصار سيؤدي في النهاية إلى إنهاك إيران ودفعها إلى التنازل. ولكن المشكلة هي أن كلا الرهانين يحمل قدرًا من المخاطرة.











