المناطق التجريبية جنوب لبنان: هل انسحب الإسرائيليون فعلاً؟

المشهد الأول: دخول الجيش اللبناني إلى زوطر الغربية وإطلاق النار
في صباح يوم الثلاثاء الموافق٢١ يوليو ٢٠٢٦، دخلتقوات الجيش اللبناني بلدةزوطر الغربية جنوب لبنان في إطار ما أعلن عنه المسؤولون كخطوة أولى لتفعيلالمناطق التجريبية المتفق عليها معإسرائيل. كان الهدف المعلن هو توطين القوات اللبنانية في مناطق محددة، تمهيداً لإزالة السلاح غير الحكومي وإعادة سيادة الدولة إلى تلك المواقع.
ومع ذلك، لم يدم الهدوء طويلاً؛ ففي ساعات قليلة أعلن القيادة العليا للجيش اللبناني أنالقوات الإسرائيلية أطلقت نيرانها على مقربة من مواقعهم، ما أدى إلى تصاعد التوتر وإيقاف عمليات المسح الهندسي التي كانت تجريها فرق الإزالة. وفي الوقت نفسه، سُجلت تفجيرات وقصف إسرائيلي على بلدات مجاورة، ما زاد من حدة المخاوف الأمنية في المنطقة.
خلفية الاتفاق: ما هو إطارالمناطق التجريبية؟
في٢٦ يونيو ٢٠٢٦ تم إبرام اتفاق إطاري برعايةالولايات المتحدة الأمريكية بين الحكومة اللبنانية وممثليإسرائيل، يهدف إلى انتشارالجيش اللبناني في مناطق محددة وإزالة السلاح غير الحكومي منها مقابل انسحاب إسرائيلي متدرج. جاء هذا الاتفاق بعد جولات مفاوضات في روما، حيث صرح مسؤول أمريكي بأن الطرفين اتفقا على “هيكل وإرشادات عملية للمناطق التجريبية” ستُنفذ في الأيام القليلة المقبلة.
وبحسب ما صرح به المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، فإن التنفيذ سيبدأ في بلدتَيفرون وصريفا، ثم ينتقل إلىزوطر الغربية. وقد دعتقوات الجيش اللبناني السكان إلى عدم العودة إلى منازلهم حتى تستقر الأوضاع الأمنية وتُجرى عمليات تفتيش شاملة للمتفجرات.
الاختلافات الميدانية: ما الذي كشفته التقارير؟
رغم ما أعلنته الجهات الرسمية، أظهرت التقارير الميدانية تضارباً واضحاً بين ما يُدعى بأنه “انسحاب إسرائيلي” وما هو الواقع على الأرض. فوفقاً لتقاريررويترز، دخل الجيش اللبناني إلىزوطر الغربية بعد أن انسحب الجيش الإسرائيلي من تلك النقاط، غير أن وجود القوات الإسرائيلية كان لا يزال ملحوظاً في ضواحيزوطر الشرقية وتلةعلي الطاهر، حيث استمرت عمليات التفجيرات ثم التراجع السريع.
من جهة أخرى، أكد مدير مكتبالجزيرة في لبنانمازن إبراهيم أن قوات الاحتلال لم تصل إلى بلدةفرون رغم القصف المتكرر، وأن مجلس بلديةفرون صرح بأن البلدة “غير محتلة أصلاً ولا تقع ضمن الخط الأصفر”. وهذا يضع في الاعتبار أن ما يُطلق عليه “المناطق التجريبية الأولى” لا تشمل مناطق احتلتهاإسرائيل فعلياً خلال الحرب، بل بلدةً لم تُستَبدَل بعد.
نسبة التغطية الجغرافية: ما حجم المنطقة التي تم تجريبها؟
صرّحالعميد إلياس حنا للصحيفة أن المساحة التي شملتها التجربة لا تتجاوزنحو ٢٪ من إجمالي٦٠٠ كيلومتر مربع التي تسيطر عليهاإسرائيل في جنوب لبنان. بينما أشارالعميد حسن جوني إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال إلى مناطق “محتلة فعلاً” وإجبار قوات الاحتلال على الانسحاب منها، وهو ما سيختبر قدرةالجيش اللبناني على تنفيذ مهام نزع السلاح في ظروف معقدة.
الأثر الإنساني: قرى مدمرة وسكان ينتظرون عودتهم
تتفاقم الأزمة الإنسانية في القرى المتضررة، حيث أظهرت تقارير ميدانية أنفرون فقدت نحو٨٠٪ من منازلها نتيجة القصف، ولا تزال الطرق بحاجة إلى مسح هندسي شامل لتصبح صالحة للمرور. وتُعَدّ القدرة على إعادة السكان إلى بيوتهم صعبةً ما لم تُستكمل عمليات التطهير وإزالة المتفجرات، ما يجعل نجاحالمناطق التجريبية يعتمد ليس فقط على انتشار القوات، بل على استعادة الحياة المدنية.
الأبعاد السياسية: زيارة الرئيس عون إلى واشنطن وتداعياتها
تزامن دخولزوطر الغربية مع زيارةالرئيس جوزاف عون إلىواشنطن حيث التقى بـالرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجيةماركو روبيو. خلال اللقاء، طلب عون من روبيو تحقيق “انسحاب إسرائيلي أولي من المنطقة التجريبية الأولى”. بدوره، أبدى روبيو دعمه للخطوات اللبنانية كوسيلة لمواجهةحزب الله، مؤكدًا أن عون يستطيع العودة إلى لبنان وهو يحمل نتائج ملموسة للبلاد.
هذه الزيارة أضفت بُعداً سياسياً على العملية الميدانية، حيث يُنظر إلىزوطر الغربية كمنصة لتقديم إنجازات ملموسة للولايات المتحدة، في حين قد تُستغل لتأخير تنفيذ باقي مراحل الاتفاق إذا ما استمرت الخلافات حول التحقق من خلو المناطق من أسلحةحزب الله.
العقبات التقنية والقانونية: هل يملك الجيش اللبناني القدرة؟
أشارسامي حلبي، مدير معهد السياسات البديلة، إلى أن الخطة “معدّة للفشل” لأنالجيش اللبناني يفتقر إلى القدرة التقنية اللازمة للقيام بمهام نزع السلاح داخل مناطق محتلة. ويضيف أن ذلك قد يجبر الجيش على مواجهةحزب الله نيابةً عنإسرائيل، ما يخلق توتراً داخلياً حاداً.
من جانب آخر، يتضمن الاتفاق بنداً يلزم الطرفين بوقف “الأعمال العدائية في المحافل السياسية والقانونية الدولية”، وهو ما يُفهم كقيد يمنع لبنان من تقديم شكوى أمام المحاكم الدولية بخصوص الانتهاكات الإسرائيلية، ما يضيف بُعداً حقوقياً دولياً إلى المفاوضات.
السيناريوهات المستقبلية: ما هي الاحتمالات؟
- النجاح المتسلسل: إذا نجحت العملية الأولى دون صدام، قد تُعتمد كدليل على فعالية المفهوم وتُضغطواشنطن علىإسرائيل لتوسيع المناطق التجريبية إلى مناطق محتلة فعلياً، ما يتيح عودة السكان وإعادة الإعمار.
- التعطيل المستمر: في ظل غياب جدول زمني واضح وخلافات حول التحقق من خلو المناطق من أسلحةحزب الله، قد يبقى الانتشار محدوداً بينما تحتفظإسرائيل بسيطرتها النارية على الخط الأصفر.
- الانهيار: إذا تكررت عمليات إطلاق النار أو شنتإسرائيل هجمات جديدة، قد ينهار المشروع بالكامل وتعود المواجهة إلى مسارها السابق، خاصة مع هشاشة التهدئة واحتمال تصاعد التوترات الإقليمية.
النظرة المستقبلية: ما الذي ينتظر جنوب لبنان؟
مع استمرار المفاوضات وتقييم النتائج الميدانية، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانالمناطق التجريبية ستتحول إلى “آلية تدريجية لتفكيك الاحتلال” أم ستظل “صيغة إدارية تُعيد رسم حدود الوجود الإسرائيلي”. ما يوضح أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في مجرد دخولالجيش اللبناني إلى بلدة صغيرة، بل في قدرته على إقناع جميع الأطراف بجدية تنفيذ الخطوات التالية وتحويل الميدان إلى مساحة سيادة لبنانية حقيقية.
في ضوء ما سبق، ستستمر المراقبة الدولية والمحلية لتطوراتزوطر الغربية وغيرها من القرى، وستظل الخطوات القادمة محوراً لتحديد مسار الصراع وإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.





