غوغل: انحراف خطير نحو التعاون العسكري | سياسة | الجزيرة نت

كشف مقال مثير نشره رومان لوكلير في موقع ميديابارت عن تحوّل جذري في سياسة شركة غوغل، التي تُعتبر اليوم أحد اللاعبين الرئيسيين في المشاريع العسكرية المرتبطة بالبنتاغون، مما أثار جدلاً واسعاً بين موظفيها وخبراء التقنية حول العالم.
تراجع الأخلاقيات مقابل توسعة التعاون العسكري
أوضح الكاتب أن غوغل، التي اشتُهِرت سابقاً بتعهدها الشهير "عدم إلحاق الضرر"، قد خلعت معاطفها الأخلاقيّة في السنوات الأخيرة لصالح اتفاقيات ضخمة مع الجيش الأمريكي. وفي خطوة غير مسبوقة، حذّت إدارة الشركة البنود التي كانت تُحظر استخدام تقنياتها في أبحاث الأسلحة أو أنظمة المراقبة القاتلة، وذلك في تحديث رسمي أُعلن بهدوء خلال فبراير 2025.
احتجاجات داخلية ورفض من الموظفين
أبرز لوكلير احتجاجاً جماعياً نادر الحدوث، حيث وقّع أكثر من 580 موظفاً، بينهم قياديون في قسم "ديب مايند"، رسالة مفتوحة إلى المدير التنفيذي سوندار بيتشاي. طالبوا فيها بالتخلي عن أي تعاون مع الجيش في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المُصممة للاستخدام العسكري السري. ويعكس هذا التحرك فجوة متنامية بين قيم العاملين وقرارات الإدارة، التي ترى في السوق العسكري فرصة مالية غير مسبوقة.
خطورة "الذكاء الاصطناعي الوكيل"
شدّد المقال على خطر اندماج الشركة في ما يُعرف بـ"الذكاء الاصطناعي الوكيل"، وهو نموذج مخصص للأنظمة العسكرية يعمل في شبكات معزولة عن الإنترنت. يمنح هذا النموذج الخوارزميات قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في ساحات القتال، مما يُقدّم لـ"أتمتة الحرب" بعداً جديداً. وحذر الكاتب من أن هذه الأنظمة، التي تعمل تحت ستار "سرية الدفاع"، تحرم الجهات الرقابية من إمكانية تقييم مصداقية قراراتها، مما يزيد من مخاطر الحروب غير المُعلنة.
التحالفات العسكرية والمنافسة التقنية
أشار الكاتب إلى أن هذا الانحراف ليس عفوياً، بل جزء من سياق تنافسي واسع النطاق. ففي أعقاب رفض شركة "أنثروبيك" التعاون مع الجيش في مجال الأسلحة الذاتية التشغيل، تم إدراجها على "القائمة السوداء"، ما أدى إلى ترسيخ شعار غير معلن في وادي السيليكون: "الطاعة للحكومة أو الفشل التجاري". وسط هذه الضغوط، تسعى غوغل بقيادة بيتشاي لفرض نفسها كشريك أساسي في بنية الحروب المستقبلية.
مقارنة مع "مشروع مافن"
على الرغم من أن احتجاجات الموظفين لم تكن الأولى، إلا أن الموقف الحالي أكثر خطورة من سابقه. ففي 2018، نجح موظفون في إجبار الشركة على التخلي عن "مشروع مافن" المُخصص لتحليل البيانات العسكرية. أما اليوم، فالإدارة تُظهر مرونة أقل، مدعومة بإنفاق البنتاغون البالغة عشرات المليارات على تطوير الأنظمة الذاتية، مما يخلق حافزاً مالياً قوياً للشركات التقنية.
مستقبل غوغل والأخلاق التكنولوجية
اختُتم المقال بتحذير من أن هذا التحول يعكس نقطة انعطاف في تاريخ التكنولوجيا. فبعد أن كانت غوغل تُعد بعدم ارتكاب الشر، أصبحت اليوم ترساً مهماً في آلة الحرب الدولية. وبينما يخشى المهندسون من تأثير تقنياتهم على الحروب، تسعى الإدارة لتحويلها إلى أداة ربحية. ويرى الكاتب أن العالم يواجه تحدياً أخلاقياً غير مسبوق، حيث تصبح الشركات التقنية مُشاركين مباشرين في الحروب، وليس مجرد موفرين لخدمات رقمية.
الضغوط السياسية والتجارية
أبرز لوكلير أن الضغوط على شركات التكنولوجيا لا تقتصر على الالتزامات العسكرية، بل تمتد إلى علاقات سياسية مركبة. فعلى سبيل المثال، تم استبعاد "أوبن أيه آي" مؤخراً من بعض المشاريع بعد رفضها إعطاء الأولوية للحكومات في استخدام تقنياتها. هذه الحوادث تخلق "ثقافة الخوف" في وادي السيليكون، حيث تُعتبر الطاعة شرطًا للاستمرار في السوق.
ماذا بعد؟
يُقدّر الكاتب أن هذا التحول لا يمكن تجنبه، خاصة مع تزايد الإنفاق العسكري العالمي على الذكاء الاصطناعي. ومع كل خطوة تُخطيها غوغل نحو التعاون العسكري، تُفقد مزيد من الرقابة المدنية على تقنيات تُستخدم لتحديد مصير المدنيين في الحروب. والسؤال الأكبر: هل يمكن للشركات التقنية الحفاظ على قيمها الأخلاقية في عالم أصبحت فيه الحروب أداة سياسية وتجارية في آن واحد؟











