صدمات حرب إيران على أسواق العقار عبر الطاقة والتمويل

موجز الأزمة وتأثيرها الأولي على العقار
أعلنتشركة لاسال لإدارة الاستثمارات، التي تعمل في ثلاثة عشر دولة، أن تداعيات حرب إيران قد دخلت قطاع العقارات العالمي عبر مسار معقد يمر أولاً عبر أسواق الطاقة ثم ينتقل إلى تكلفة التمويل وعلاوات المخاطر. وقد صرّح المتحدث باسم الشركة أن الارتفاع المستمر في أسعار النفط يرفع التضخم ويؤخر خفض الفائدة، ما يضيف ضغطاً على تقييمات العقارات والصفقات المدعومة بالديون. يأتي هذا التحليل في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية منذ بداية الصراع في عام ٢٠٢٣، وهو ما ينعكس الآن على أسواق العقار في جميع القارات بحلول أبريل ٢٠٢٦.
آلية انتقال الصدمة من الطاقة إلى العقار
تشير التقديرات الصادرة عنكابيتال إيكونوميكس إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة تتراوح بين١٠٪ و١٥٪ يضيف ما بين٠.٢ و٠.٣ نقطة مئوية إلى معدلات التضخم في الاقتصادات المتقدمة. هذا الارتفاع يخلق حلقة مفرغة: ارتفاع التضخم يحدّ من قدرة البنوك على خفض أسعار الفائدة، وبالتالي ترتفع تكلفة الاقتراض على المدى الطويل. وبما أن قطاع العقار يعتمد بصورة كبيرة على القروض سواء للمشترين أو للمطورين أو لصناديق الاستثمار العقاري، فإن أي تذبذب في أسعار الفائدة ينعكس فوراً على الطلب وأسعار العقارات.
تأثيرات ملموسة في السوق الأمريكية
في الولايات المتحدة، سجلتفريدي ماك أن متوسط الفائدة على الرهن العقاري الثابت لمدة ثلاثين عاماً وصل إلى٦.٣٠٪ في السادس عشر من أبريل ٢٠٢٦، بعد أن انخفض إلى٥.٩٨٪ في نهاية فبراير. هذا الارتفاع السريع يرافقه تراجع في مبيعات المنازل القائمة بنسبة٣.٦٪ على أساس شهري في مارس، ما يدل على حساسية الطلب أمام أي زيادة في تكلفة التمويل.
كما أظهرت بيانات موقعريلتور دوت كوم أن مخزون المنازل المعروضة للبيع ارتفع بنسبة٨.١٪ على أساس سنوي في مارس، في حين انخفض السعر الوسيط للقوائم السكنية بنسبة٢.٢٪، مما يعكس تباطؤاً في الزخم السعري قبل أن تتفاقم الضغوط نتيجة أي موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط أو العوائد.
أوروبا وآسيا: أكثر تعرضاً لصدمة الطاقة
تشيروكالة الطاقة الدولية إلى أن حوالي١٥ مليون برميل من النفط اليومي يمر عبر مضيق هرمز، ما يمثل نحو٣٤٪ من تجارة النفط العالمية. وتوجه معظم هذه الكميات إلى أسواق آسيا، خاصة اليابان وكوريا الجنوبية، بينما تستقبل أوروبا حصة أقل بكثير. لذا فإن أي اضطراب مستمر في إمدادات المضيق يرفع كلفة الطاقة في الاقتصادات المستوردة، ما يضغط على دخل الأسر وهوامش الشركات، وبالتالي على الطلب العقاري السكني والتجاري.
في آسيا، تتضاعف المخاطر لأن الصراع لا يرفع فقط فاتورة الواردات بل يهدد سلاسل التوريد الصناعية. وهذا ينعكس سلباً على العقارات الصناعية واللوجستية والمكتبية، حيث تتأثر المشاريع التي تعتمد على استقرار الإنتاج والنقل.
أوروبا تواجه تراجع الثقة الاقتصادية
في أوروبا، سجل مؤشرزد إي دبليو لثقة المستثمرين في ألمانيا أدنى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات في أبريل ٢٠٢٦، متزامناً مع مخاوف من نقص الطاقة وارتفاع تكاليف الإنتاج. وعلى الرغم من أن المؤشر لا يقيس العقار مباشرة، فإن تراجع الثقة العامة عادةً ما يترجم إلى تأجيل الاستثمارات العقارية، خصوصاً في القطاعات التجارية والمكتبية التي تعتمد على توقعات النشاط الصناعي.
الخليج العربي: اختبار جديد للملاذ الآمن
في دول الخليج، لا ترتبط المخاطر بارتفاع أسعار الطاقة بقدر ما تتعلق بإعادة تقييم المستثمرين لمفهوم “الملاذ الآمن”. فقد وصفترويترز السوق العقارية في الإمارات بأنها تواجه أول اختبار حقيقي بعد سنوات من الطفرة، مع تصاعد القلق من اعتماد دبي وأبوظبي على التدفقات الرأسمالية الخارجية.
وأشار تقريرفيتش إلى أن التمويل العقاري التجاري قد يتحول إلى مصدر رئيسي لتدهور جودة الأصول لدى البنوك الإماراتية في السيناريو السلبي، حيث شكل العقار التجاري نحو١٣٪ من إجمالي القروض بنهاية ٢٠٢٥، مع تركيز أعلى لدى بعض البنوك. كما أشار التقرير إلى أن تباطؤ النشاط الاقتصادي، تراجع السياحة، وضعف نمو السكان قد يضيف ضغطاً إضافياً على العقارات السكنية والتجارية في الإمارات، ما قد يحول العقار من محرك للنمو إلى عبء على ميزانيات البنوك إذا استمر الصراع.
قدرة العقار على التكيف والآفاق المستقبلية
على الرغم من الضغوط المتصاعدة، ترىشركة لاسال أن العقار يحتفظ بميزة التكيف مقارنة ببعض الأصول المالية الاسمية، إذ يمكنه تعويض ارتفاع الأسعار عبر زيادة إيرادات الإيجار أو عبر ارتفاع تكاليف الإحلال. إلا أنها تشدد على ضرورة اختبار المحافظ العقارية على سيناريوهات أعلى للفائدة وعلاوات المخاطر وأطول فترات اضطراب الطاقة.
في حديث خاص معالجزيرة نت، أشار الأستاذ كميل الساري، أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية، إلى أن تأثير الحرب على العقارات سيختلف من منطقة إلى أخرى بحسب العلاقة بين الفائدة، الطاقة، والنمو. وأوضح أن أوروبا والولايات المتحدة تواجهان معضلة ارتفاع الطاقة الذي يرفع التضخم ويقيد خفض الفائدة، ما يرفع كلفة التمويل العقاري ويضغط على الطلب. بينما في دول الخليج، تتجلى المخاطر في تراجع ثقة المستثمرين الأجانب وإمكانية تحويل تدفقات رأس المال إلى أسواق أقل توتراً.
استنتاجات وتوقعات للمرحلة القادمة
مع استمرار الصراع وتوسع نطاقه الإقليمي، من المتوقع أن تستمر أسواق العقار في التذبذب وفقاً لتقلبات أسعار الطاقة وتغير سياسات البنوك المركزية. وعلى المستثمرين وصانعي السياسات التركيز على تنويع مصادر التمويل، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، وتطوير أدوات تقييم تأخذ في الاعتبار مخاطر الطاقة الطويلة الأمد. إن استقرار الوضع الجيوسياسي سيظل العامل الحاسم لإعادة توازن أسواق العقار العالمية، لكن في الوقت نفسه، قد يصبح العقار ملاذاً أكثر جاذبية إذا ما استُغلت إمكاناته في توليد عوائد حقيقية تتجاوز التضخم المتصاعد.











