حلّ عقدة تخصيب اليورانيوم الإيراني: تحليل خبير الطاقة النووية

الخلاصة الأولية
في مقابلة مباشرة مع الجزيرة مباشر بتاريخ 24 مايو 2026، قدميسري أبو شادي، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، تحليلاً شاملاً حول العقبة الأكثر حساسية في المفاوضات الجارية بينالولايات المتحدة وإيران، وهي مسألةمخزون اليورانيوم عالي التخصيب. وأوضح الخبير أن النزاع لا يدور حول مبدأ التخلص من هذا المخزون، بل يتعلق بجدول التنفيذ والضمانات المرتبطة برفع العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة.
خلفية المفاوضات النووية
منذ انسحاب الإدارة الأمريكية بقيادةدونالد ترمب من الاتفاق النووي في 2018، تصاعدت التوترات بين طهران وواشنطن. وفي عام 2025 بدأت محادثات سرية تهدف إلى إرساء تفاهم مرحلي لتخفيف العقوبات وإعادة فتح مضيق هرمز، مقابل التزامات نووية وأمنية أوسع. وقد تكررت التسريبات الإعلامية التي تشير إلى وجود اتفاق مؤقت يمتد من 30 إلى 60 يوماً، يربط بين تخفيف العقوبات وإجراءات محددة بشأناليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
آراء الخبير يسري أبو شادي
أشار أبو شادي إلى أن طهران أبدت استعداداً مبدئياً للعودة إلى مفاهيم تشبه اتفاقية 2015، بما في ذلك خفض مستويات التخصيب والتخلص من جزء من المواد النووية الحساسة. لكنه شدد أن إدارةدونالد ترمب سعت إلى استخراج مكاسب تتجاوز ما حققه سلفهباراك أوباما، ساعيةً إلى صياغة اتفاق جديد يمنح واشنطن مزايا سياسية وأمنية إضافية.
وأوضح الخبير أن وزير الخارجية الإيرانيعباس عراقجي قد أعرب قبل الصراع الأخير عن استعداده لقبول ما يشبه “صفر تخصيب”، مع الإبقاء على كميات محدودة مخصصة للأغراض الطبية والصناعية والزراعية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع ذلك، أكّد أنالخلاف الحقيقي لا يكمن في مبدأ التخلص مناليورانيوم عالي التخصيب، بل فيالجدول الزمني وآلية التنفيذ.
مخزون اليورانيوم الإيراني والرقم المثير للجدل
تُقدّر تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران تمتلك نحو440 كيلوغراماً مناليورانيوم المخصب بنسبة 60%. ووفقاً لأبو شادي، فإن هذه الكمية تكفي نظرياً لإنتاج ما يقرب منعشرة قنابل نووية إذا ارتفعت نسبة التخصيب إلى90% المطلوبة للاستخدام العسكري. وقد استند الموقف الإيراني إلى تجربة اتفاق 2015، حيث تخلّصت طهران من كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب مقابل وعود برفع العقوبات، ثم اعتبرت أن الولايات المتحدة لم تلتزم بالكامل بالتعهدات الاقتصادية والمالية.
الضمانات المالية والاقتصادية المطلوبة
أوضح الخبير أن إيران لن توافق علىالتخلص السريع من كامل مخزونها خلال أسابيع قليلة، ما لم تحصل في الوقت نفسه على رفع فعلي للعقوبات وإطلاق الأموال المجمدة التي تُقدّر تقارير أمريكية قيمتها بنحو100 مليار دولار. وقد أكدت طهران أنها تسعى إلى الإبقاء علىاليورانيوم داخل أراضيها وتخفيض نسبة تخصيبه عبر خلطه بيورانيوم طبيعي، إلا أن هذا الخيار يواجه صعوبات تقنية تتطلب كميات ضخمة من اليورانيوم الخام قد لا تكون متوفرة حالياً.
الخيارات التقنية واللوجستية
أبو شادي رأى أن الحل العملي الأقرب قد يكوننقل جزء من المخزون إلى روسيا، حيث يمكن تحويله إلى وقود نووي لمفاعل بوشهر. وقد عُمل على هذا السيناريو جزئياً خلال التفاهمات النووية السابقة، وهو ما قد يُسهم في تخفيف الضغط الدولي وتوفير ضمانات إضافية لإيران.
التقدم الإيراني في قدرات التخصيب
منذ انسحاب الإدارة الأمريكية في 2018، ركّزت طهران على تطوير قدراتها التقنية. وأشار الخبير إلى أن إيران رفعت خلال الأشهر الأخيرة معدل إنتاجاليورانيوم المخصب بشكل ملحوظ، مستفيدةً من مخزون سابق بنسبة20%، ما سمح لها بالوصول إلى مستوى60% خلال فترة زمنية أقصر نسبياً. ومع ذلك، حذر أبو شادي من أن استعادة مستويات التخصيب المرتفعة بشكل كامل لن تكون فورية إذا فُكّك جزء من البرنامج الحالي، متوقعاً أن تحتاج طهران إلىعام كامل لإعادة بناء مخزون مماثل إذا اضطرت للبدء من الصفر.
سيناريو امتلاك سلاح نووي
في تقييمه لإمكانية امتلاك إيران لسلاح نووي، صرح أبو شادي أن طهران تملك المعرفة التقنية والخبرة الكافية لتصنيعقنبلة نووية خلال فترة قصيرة نسبياً، إذا قررت سياسياً الانتقال من التخصيب المدني إلى الاستخدام العسكري. وأوضح أن إيران تحتاج إلى نحو25 كيلوغراماً مناليورانيوم المخصب بنسبة 90% لصناعة قلب قنبلة واحدة، مشيراً إلى أن امتلاك أجهزة طرد متطورة من طرازآي آر-6 قد يسرّع العملية إلىأسابيع قليلة.
المخاوف الإقليمية والدعوة إلى التهدئة
حذر الخبير من التقليل من خطورة التصعيد، مشدداً على أن لغة التهديد القصوى قد تدفع المنطقة نحو خيارات أكثر خطورة. ودعا واشنطن وطهران إلى التوصل إلى تفاهم“عقلاني” يوازن بين متطلبات الردع وتجنب الانفجار الشامل. وأشار إلى أن التسريبات الأخيرة تتحدث عن تفاهم مرحلي يشمل تخفيفاً تدريجياً للعقوبات على النفط والموانئ الإيرانية، مقابل التزام طهران بإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً وعدم تنفيذ أي تصعيد عسكري خلال فترة التهدئة.
ما التالي؟
مع استمرار المفاوضات وتبادل العروض بين الطرفين، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كان يمكن الاتفاق علىجدول زمني واضح يضمن رفع العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة مقابل خطوات ملموسة فيتقليل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. وعلى الصعيد الإقليمي، ستظل قدرة إيران على استعادة مستويات التخصيب المرتفعة تشكل نقطة توتر رئيسية، ما يستدعي مراقبة دقيقة من قبل المجتمع الدولي لتفادي أي تصعيد قد يهدد الأمن الإقليمي والعالمي.





