اقتصاد الحوثيين: دولة تتشكل من نقاط التفتيش

اقتصاد الحوثيين: دولة تتشكل من نقاط التفتيش
في اليمن، ظهرت منظومة حوثية للجباية والرسوم الداخلية بعد انقلاب 21 سبتمبر/أيلول 2014. هذه المنظومة، التي استطاعت خلال سنوات قليلة أن تتحول إلى أحد الأعمدة الرئيسية لاقتصاد الحرب، تمنح الجماعة قدرة على التحكم في حركة التجارة والموارد والولاءات داخل مناطق سيطرتها. وفقًا لدراسة حديثة، فإن هذه المنظومة لم تعد مجرد رسوم على الشاحنات، بل شبكة متكاملة تضم أكثر من25 محطة رئيسية ونحو150 نقطة فرعية موزعة على الطرق التجارية بين الموانئ والمراكز الحضرية في شمال اليمن.
تطور المشروع الحوثي
في السنوات الأولى للحرب، كانت الجبايات تُفرض عبر نقاط عسكرية متناثرة على الطرق بينصنعاء وتعز وإب وذمار، تحت ذرائع أمنية أو ميدانية مرتبطة بالحرب. لكن ابتداءً من عام2017، بدأ الانتقال من الجباية العشوائية إلى بناء منظومة أكثر انتظامًا ومأسسة. جرى تثبيت محطات جمارك داخلية في مواقع محددة مثلذمار والراهدة وعفار، مع إصدار إيصالات رسمية وربط جزء من الحصيلة بجهاز مالي مركزي فيصنعاء.
تأثير النظام على السكان والاقتصاد
أخطر ما تكشفه الدراسة أن الحوثيين لم يكتفوا بالسيطرة على الجغرافيا، بل أعادوا رسم الجغرافيا الاقتصادية نفسها. فالبضائع التي تدخل اليمن عبر الموانئ الرسمية الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًّا لا تكتفي بدفع الرسوم الجمركية مرة واحدة، بل تُعاد جبايتها عند مرورها عبر نقاط الحوثيين الداخلية. وبذلك نشأت، فعليًّا، "حدود اقتصادية" داخل اليمن. الشاحنة القادمة منعدن أوالمخا نحوصنعاء تمر عبر سلسلة طويلة من نقاط التحصيل وإعادة التقييم الجمركي، حيث تُفرض رسوم إضافية قد تصل إلى مئات آلاف الريالات على الشحنة الواحدة.
النتائج المترتبة على النظام
ترى الدراسة أن النتيجة الأوسع لهذه المنظومة كانت تفكيك السوق الوطنية اليمنية ورفع كلفة المعيشة بصورة حادة. فازدواجية الجباية رفعت تكاليف النقل والتخزين والتأمين بنسب تراوحت بين20 و30%، وأسهمت في زيادة أسعار السلع الأساسية داخل مناطق الحوثيين بنسبة وصلت في المتوسط إلى10-15%. وفي بلد يعيش أصلًا واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، كانت النتيجة مزيدًا من الضغط على السكان. فاكثر من70% من اليمنيين باتوا تحت خط الفقر، بينما يعتمد نحو24 مليون شخص على المساعدات الإنسانية، التي تواجه هي الأخرى عراقيل ورسومًا وإجراءات تفتيش متكررة على الطرق الداخلية.
مستقبل اليمن بعد الحرب
في ضوء هذه التطورات، من الواضح أن أي مشروع حقيقي لإعادة بناء اليمن أو تحقيق السلام سيظل هشًّا ما لم تُستعد وحدة النظام المالي وإخضاع جميع الإيرادات لرقابة مؤسسات الدولة. لأن المشكلة، كما تخلص الدراسة، لم تعد مجرد "رسوم غير قانونية"، بل نشوء اقتصاد حرب كامل يعيد إنتاج نفسه ويمنح الحرب مصادر تمويل واستدامة طويلة الأمد. ومن هنا، يبدو أن المستقبل القريب سيكون مليئًا بالتحديات، وستكون هناك حاجة إلى جهود دولية ووطنية لاستعادة الاستقرار والسلام في اليمن.





