بنت جبيل: لماذا تعتبر إسرائيل معركة المدينة في جنوب لبنان "عقدة" استراتيجية؟

بنت جبيل: المعركة التي تعيد تعريف الردع الإسرائيلي
منذ منتصف شهر أبريل/نيسان الجاري،كثفت إسرائيل غاراتها وعملياتها العسكرية البرية في مدينةبنت جبيل في جنوب لبنان، بعد الحصار الخانق الذي فرضته على المدينة وسط معارك كر وفر ضارية معحزب الله في سبيل السيطرة عليها. إذا عرفنا أن مساحةبنت جبيل لا تتجاوز 9 كيلومترات، تبرز أسئلة عديدة عن أسباب التركيز الإسرائيلي عليها، وعن سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها جيش الاحتلال الإسرائيلي في التعامل مع المدينة التي تشير آخر التقارير إلى حجم الضرر الذي لحق بها جراء الحرب.
الأهمية الاستراتيجية لبنت جبيل
تكشف تصريحات إسرائيلية لسياسيين وعسكريين جذور العقدة الإسرائيلية تجاهبنت جبيل التي تبعد نحو 5 كيلومترات فقط من الحدود اللبنانية مع إسرائيل، وتُعد معقلا مهما للمقاومة اللبنانية. ولعل أحدث التصريحات الإسرائيلية بهذا الشأن ما صدر عن قائدلواء المظليين في جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي قال مؤخرا إن قواته "تخوض حاليا قتالا مكثفا وتاريخيا في بنت جبيل"، معتبرا أن هذه المعارك تُعد امتدادا للمعارك التي شهدتها المدينة في عام2006.
خطاب النصر وحرب الرموز
في كلام القائد العسكري الإسرائيلي إحالة مباشرة إلى خطابحسن نصر الله الشهير قبل 26 عاما، حيث قال في خطاب ألقاه فيبنت جبيل بعد إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام2000، إن إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت". يرى محللون سياسيون أن خطاب النصر الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله آنذاك في المدينة أكسبها بعدا رمزيا في المقاومة والمعركة ضد الاحتلال الإسرائيلي، كما أكسبها في المقابل بعدا انتقاميا لدى الطرف الإسرائيلي.
الموقع الجغرافي والسيطرة العسكرية
تمثل مدينةبنت جبيل نقطة ارتكاز جغرافي وعسكري في جنوب لبنان، وتستمد أهميتها الإستراتيجية من عدة عوامل ميدانية. تقع المدينة عند تقاطع طرق حيوي، إذ تقع عند تقاطع طريقتبنين/بنت جبيل الذي يربط القطاع الغربي للحدود بالقطاع الأوسط، بينما يربط طريق (عيناتا- مارون الراس- بنت جبيل) القرى الجبلية بقرىرميش وعيتا الشعب، مما يتيح للاحتلال ربط قواته من عدة محاور وتوفير ممرات للربط بين وحداته المختلفة.
الهدف الإسرائيلي من السيطرة على بنت جبيل
تبعدبنت جبيل نحو 3 كيلومترات فقط عن "الخط الأزرق"، مما يجعلها مطلة مباشرة على الحدود ومستوطناتالجليل الأعلى. كما أن ارتفاعها يمنح جيش الاحتلال موقعا يشرف على المناطق المحيطة، وهو ما يعني امتلاك قدرة نارية لحصار مناطق أخرى واستهداف أي تحرك في المنطقة. تمنح السيطرة على طرق المدينة جيش الاحتلال الإسرائيلي القدرة على قطع إمداداتحزب الله القادمة من المدن والبلدات المجاورة أو تلك المتجهة غربا نحو مدينةصور.
الدمار الذي لحق بالمدينة
بعد أسابيع من الغارات والحصار والتوغل، تكشف معطيات الواقع أن جيش الاحتلال الإسرائيلي صب جام غضبه على مدينةبنت جبيل، متعاملا معها وفق سياسة الأرض المحروقة. وقد أظهرت صور أقمار صناعية حديثة تحولات جذرية في المشهد العمراني للمدينة، حيث تلاشت أحياء كاملة خلال أسابيع قليلة، وتحولت مساحات كانت مأهولة إلى فراغات مفتوحة نتيجة القصف المكثف والعمليات العسكرية في واحدة من أكثر جبهات الجنوب اللبناني عنفا.
التدمير الشامل للبنية التحتية
وتوثق الصور اختفاء منشآت ومبان كانت قائمة حتى 20 فبراير/شباط الماضي، إذ تعرضت عشرات المواقع الحيوية لأضرار تراوحت بين المحو التام والدمار الجزئي الشديد. ومن أبرز المعالم التي طالها التدمير:مدرسة عبد اللطيف سعد،مجمع أهل البيت،مسجد الإمام الحسين،المكتب الحكومي لقضاء بنت جبيل، وسوقالخميس التاريخي، إضافة إلى المناطق المحيطة بالمقبرة والطريق الدائري للمدينة.
الرمزية الخاصة لملعب بنت جبيل
كما رصدت الصور تدميرا كاملا لملعب بنت جبيل -الموقع الذي اكتسب رمزية خاصة منذ خطاب التحرير الذي ألقاه الأمين العام السابق لحزب الله- والذي كان جيش الاحتلال قد أعلن استهدافه بشكل مباشر في بيانات سابقة.
مستقبل المعركة وآثارها
ورغم الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة، لا تزالبنت جبيل مستعصية على الحسم العسكري السريع، ولاتزال المعركة الدائرة للسيطرة عليها صراعا يتجاوز السيطرة على بضعة كيلومترات مربعة، فهو بالنسبة لإسرائيل محاولة متأخرة لترميم صورة الردع التي انكسرت على مدرجات ملعب المدينة قبل أكثر من ربع قرن. يبقى السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من تحقيق أهدافها فيبنت جبيل، وما ستكون عليه الآثار الاستراتيجية والإنسانية لهذه المعركة على المدى الطويل.







