إعمار درنة بعد ثلاث سنوات: مشاريع تبني الأمل وتعيد الحياة

بداية جديدة بعد الفاجعة
بعد ما يقاربثلاث سنوات من الفيضانات التي اجتاحتدرنة الساحلية شرق ليبيا في سبتمبر/أيلول 2023، بدأتإعادة إعمار درنة تتجلى في شبكة من المشاريع الضخمة التي تستهدف إحياء المدينة وإعادة بناء حياة أهاليها. وفقًا للبيانات الرسمية، أسفرت الكارثة عن مقتلأربعة آلاف شخص، وتشريد أكثر منأربعين ألف نسمة، ما جعل عملية الإعمار أولوية قصوى للسلطات المحلية والجهات الدولية.
المشاريع القيد التنفيذ
أعلن مسؤول الإعمار المحليعادل بوخسام أن نسبة إنجاز الأعمال وصلت إلىثمانين بالمئة، شاملةً3500 شقة للعائلات النازحة،تسعة جسور جديدة، منهاأربعة تعبر مجرى النهر وتم تحويل بعضها إلى ممشى عام. كما تم إنشاءمحطة تحلية مياه لتأمين إمدادات صالحة للشرب، بالإضافة إلىطرق جديدة تربط الأحياء المتضررة بالمراكز التجارية.
من الناحية الصحية، افتتح مستشفى حديث بسعةست مائة سرير، يضم أقسامًا متخصصة في الجراحة والطوارئ، إلى جانب مراكز صحية أولية في كل حي. وفي مجال التعليم، شيدتمدارس جديدة وعددًا منالجامعات التقنية لتلبية احتياجات الشباب الباحثين عن فرص عمل. كما تم إنشاءملعب رياضي وحدائق عامة لتوفير مساحات ترفيهية تدعم الصحة النفسية للمجتمع.
أصوات السكان المتضررين
تعبّرأسماء الغزيري، المقيمة في الخارج والتي تزور درنة بانتظام، عن مزيج من الدهشة والامتنان: «لم أكن أصدق ما تم إنجازه في أقل من ثلاث سنوات، من مستشفيات ومدارس ومساجد وملعب… لكن الفقد لا يزال يطاردنا، ولا بد من التركيز علىالصحة النفسية».
من جهته، يوضحأشرف الطرغي، مشرف بناء في الثلاثين من عمره، أن فقدان منزله كان أقل ألمًا من فقدان أحبائه: «الكارثة كانت مأساة وهبة من الله في آن واحد، فقد منحنا مدينة جديدة، والحدائق والملاعب ضرورية لتخفيف الصدمة».
المهندسأبو قاسم، الذي فقد أكثر منخمسة عشر فردًا من عائلته، يضيف: «لم يكن أحد يتخيل أننا سنعود إلى هذه الأرض، لكن كل حجر نضعه هو بداية جديدة، وروح الفقيد لا تموت عبثًا».
المصريعبد الحميد شحاتة، الذي استقر في درنة عام 2014، يشيد بفرص العمل التي وفرتها المشاريع: «العمالة متوفرة في كل مكان، والإعمار أعاد النشاط الاقتصادي للمدينة».
التحديات النفسية والاجتماعية
تشير الأبحاث المحلية إلى أنالصدمة النفسية لا تزال تؤثر على غالبية السكان، خاصةً على الأسر التي فقدت أفرادًا ولم تُعثر جثثهم بعد. وتؤكدأسماء الغزيري أن السلطات بحاجة إلى تعزيز برامج الدعم النفسي: «حتى وإن كان الناس يعملون، فإن الجروح العاطفية لا تلتئم بدون رعاية متخصصة».
تعمل منظمات إغاثية محلية ودولية على إنشاء مراكز استشارات مجانية وتدريب كوادر محلية لتقديم الدعم النفسي، في إطار خطة شاملة تهدف إلى تحسينالصحة النفسية إلى جانب البنية التحتية المادية.
السياق السياسي والإداري
منذ سيطرة قوات موالية للقائد العسكريخليفة حفتر على درنة في عام 2018، أصبحت المدينة تحت سيطرة عائلة حفتر التي تدير معظم شرق ليبيا وجنوبها، بما فيها حقول النفط الحيوية. وتستمر الانقسام بينالحكومة المعترف بها دوليًا في العاصمةطرابلس وإدارةالشرق في بنغازي، ما يعقّد تنسيق جهود الإعمار وتوزيع الموارد.
على الرغم من هذا الانقسام، يتعاون المسؤولون المحليون مع الهيئات الدولية لتأمين تمويلات ومساعدات إنسانية، مع إظهار شفافية أكبر في تنفيذ المشاريع لتجنب اتهامات الفساد التي اندلعت عقب الفيضانات.
آفاق المستقبل
مع اقتراب استكمال معظم المشاريع إلىنسبة 90٪، تتطلع درنة إلى مرحلة ما بعد الإعمار حيث سيتحول التركيز إلىتطوير الاقتصاد المحلي وتعزيز السياحة البحرية التي كانت مصدر دخل رئيسي قبل الكارثة. كما تخطط السلطات لإنشاءمركز بحوث لتقنيات تحلية المياه يهدف إلى تقليل الاعتماد على الموارد الخارجية.
إن نجاحإعمار درنة لا يقتصر على بناء مبانٍ وجسور، بل يتطلب استثمارًا مستدامًا فيالصحة النفسية،التعليم، والاقتصاد لتضمن عدم تكرار مثل هذه الكارثة في المستقبل. ومع استمرار الدعم المحلي والدولي، يبدو أن درنة تستعيد ببطء نبضها، وتخطو خطوات ثابتة نحو مستقبل أكثر أمانًا وازدهارًا.





